“أنورا”..
يا لها من علبة كبيرة وجميلة وفارغة
إبراهيم إمام
هل سيفوز “أنورا”
(Anora)
بجائزة أوسكار واحدة على الأقل؟ نعم بالتأكيد.
ترشح الفيلم لـ6 جوائز أوسكار، هي أفضل فيلم، وأفضل مخرج،
وأفضل كتابة، وأفضل ممثلة، وأفضل ممثل مساعد، وأفضل مونتاج. ونال جائزة
السعفة الذهبية في مهرجان كان، ووقف الجمهور 10 دقائق احتراما للفيلم بعد
انتهاء عرضه.
كما فاز بعدد ضخم من الجوائز الدولية الأخرى. لكن يبقى
السؤال: هل يستحقها؟
ومع أن السؤال بسيط، فإن الإجابة صعبة للغاية.
سندريلا قادمة من أندية الرقص
يروي فيلم “أنورا” قصة راقصة التعري “أنورا”، وهي امرأة من
بروكلين تتزوج ابن أحد أفراد طبقة رجال الأعمال (الأوليغارك) في روسيا،
وعندما يصل الخبر لوالديه، يسعيان لإبطال الزواج، فتنطلق سلسلة من الأحداث
التي تمزج بين الكوميديا والرومانسية والنقد الاجتماعي.
صُوّر الفيلم على شريط سينمائي 35 ملم، وحظي بإشادة كبيرة
لأسلوبه المميز ولغته البصرية الواقعية.
اعتدنا من المخرج “شون بيكر” في أعماله السابقة صورا
إنسانية معقدة للمجتمعات المهمشة، ويواصل هذا النهج في فيلم “أنورا”، ساعيا
إلى إضفاء طابع إنساني على العاملات في مجال الترفيه من نوع آخر.
وقد حظي أداء “ميكي ماديسون” في دور “أنورا” بإشادة واسعة،
فقد قدمت شخصية تجمع بين القوة والهشاشة، بشكل أسر كثيرا من المشاهدين.
يبقى السؤال هو: إذا كانت مناقشة هذه الموضوعات معتادة من “بيكر”، فما هو
المختلف هذه المرة؟
دقائق من الحلم قبل العاصفة
مع كل هذه الجوائز التي نالها الفيلم أو رُشح لها، يمكننا
أن نتوقع وجود عدة محاور مختلفة تميز هذا الفيلم، فعلى مستوى السرد يبدأ
الفيلم بقصة على نمط سندريلا التي وقع في حبها الأمير الثري، لكن بسرعة
بالغة تصطدم القصة بحائط الفروق الطبقية، التي تمنع القصة من الاستمرار.
بهذا الأسلوب تلاعب الفيلم بالقوالب التقليدية للأفلام
الرومانسية الكوميدية، فبدأ قصة حالمة، ثم تحول إلى دراما واقعية.
يجب أن أتوقف هنا قليلا لأؤكد أن هذا ما يقوله كثير من
النقاد، وهو صحيح، لكن المشكلة هي هذه الجملة البسيطة “يبدأ الفيلم بقصة
حالمة”، تستمر مدة 43 دقيقة!
نعيش 43 دقيقة كاملة في المرحلة الأولى من القصة، التي ليس
فيها صراع يدفع أحداث القصة أو يثير فضول المشاهد، بل هو مجرد استعراض
للحياة السعيدة الحالمة التي تعيشها سندريلا بعد لقائها بالأمير.
ربما يتميز السرد ببعض المميزات، لكن هل يصلح أن يرشح
سيناريو خالٍ من الصراع مدة 43 دقيقة لكل هذه الجوائز؟ ربما يجب على كل
مشاهد أن يقدم إجابته لهذا السؤال.
ليس مجرد فيلم بل سينما ذات رائحة عتيقة
على مستوى آخر، نجد الأسلوب البصري والسينمائي للفيلم، فقد
صُور على شريط 35 مم، وهو ما منح الفيلم طابعا سينمائيا عتيقا، مستوحى من
أفلام هوليود في الخمسينيات والستينيات.
وإضافة إلى ذلك، استوحى المخرج “شون بيكر” والمصور “درو
دانيلز” إلهامهما من سينما السبعينيات، لا فيلم “الاتصال الفرنسي” (The French Connection)،
و”اختطاف بيليهام 123″ (The
Taking of Pelham One Two Three)”.
يظهر ذلك في المشاهد الحضرية القاسية، والطابع الواقعي
للفيلم، فقد خلقت تلك الأجواء المستلهمة من عقود مضت تباينا مثيرا مع
السياق العصري لأحداث الفيلم.
إضافة إلى ذلك، استخدم مدير التصوير “دانيالز” عدسات
أنامورفيك القديمة، المعروفة بتشوهاتها غير المتوقعة وعيوبها البصرية
الفريدة، وقد منحت الفيلم طابعا مميزا وغير مصقول، ومختلفا تماما عن الصورة
المثالية المعتادة على منصات العرض المعاصرة، وهو ما أضفى لمسة من السحر
البصري على تجربة المشاهدة.
أساليب التصوير.. مزيج فني يعكس تقلبات الحكاية
مزج الفيلم نوعين من التصوير؛ النوع الأول هو المفضل لدى
“دانيالز”؛ ألا وهو التصوير الذاتي، وهو نوع يتتبع وجهة نظر الشخصية، ويركز
على كيفية رؤيتها للأحداث من حولها.
نشاهد هذا النوع في مشهد الشجار بمنزل “فانيا”، عندما تحتجز
“أنورا”، فتتحول الكاميرا إلى التصوير المحمول باليد، لتعكس الإحساس
بالفوضى والصراع.
أما النوع الثاني فهو المفضل للمخرج “شون بيكر”، وهو ما
يسمى سينما الحقيقة أو سينما الواقع، وهو نوع يتتبع الأحداث من موقع محايد،
كما نشاهد في افتتاحية الفيلم بمشهد التتبع البطيء داخل نادي الرقص، الذي
ينقل أجواء حياة “أنورا” باستخدام عربة “دولي”.
تجنب “بيكر” أسلوب اللقطات المتعاكسة المعتاد في الحوارات،
مفضلا اللقطات الطويلة التي تبقي التركيز على الشخصيات وتفاعلاتها، كما
نشاهد في الحوار بين “أنورا” و”فانيا” حول أعمارهم، وقد صُوّر بثلاث لقطات
فقط، مع التركيز على الشخصيات لإبراز تفاعلهم العاطفي.
لقد أطلت الحديث عن جوانب التميز في صورة الفيلم، وهو ما
يشي بأنني أرى أنه يستحق الإشادة، لكن السؤال يظل معلقا، بل ربما يتضح أكثر.
إن وجه التناقض الأهم في هذا الفيلم، هو الحرفة في مقابل
المضمون. فهل تكفي الحرفة المتقنة كي ينال الفيلم كل هذا الاحتفاء الدولي
الكبير؟
صورة متقنة وسرد مترهل
كما ذكرت سابقا، فإن بداية العلاقة بين “أنورا” و”إيفان”
ممتعة في لحظاتها الأولى، لكنها لا تمتد إلا 43 دقيقة، عبر سلسلة من
الحفلات والاستعراضات المترفة، التي كان يمكن اختصارها لأكثر من النصف، دون
أن تفقد تأثيرها.
يلى ذلك مشهد الصراع في المنزل الذي نال استحسان البعض بسبب
طاقته الفوضوية وأداء الممثلة “ميكي ماديسون” البدني القوي، لكنه استمر 33
دقيقة أخرى، لا يحدث فيها شيء سوى تهدئة “أنورا” الصارخة، واتخاذ قرار
البحث عن “إيفان”، وهو بحث لا يعتمد إلا على الذهاب من محل لمحل آخر، ثم
لمطعم، ثم لناد ليلي لعرض صورته والسؤال عنه، وهو بحث استمر 23 دقيقة أخرى!
يمكن أن تكون المدة الطويلة نقطة ضعف، حتى في الأفلام التي
لها جودة تنفيذ عالية، فبينما تستغل بعض الأفلام وقتها في تعميق الشخصيات
واستكشاف مواضيع معقدة، هناك أفلام أخرى تنهار تحت ثقل المشاهد الزائدة.
يمكن مقارنة “أنورا” بأفلام طويلة أخرى، منها “الأيرلندي” (The
Irishman)
الذي برر طوله بتقديم دراسة معقدة للشخصيات، و”سيكون هناك دماء” (There
Will Be Blood)
الذي استخدم الإيقاع البطيء لصنع أجواء كابوسية عميقة.
لكن في المقابل، يعاني “أنورا” من إطالة فارغة من المضمون،
على غرار فيلم “لا تنظر للأعلى”
(Don’t Look Up)
الذي فقد تأثيره الساخر بسبب مدته المفرطة. وفيلم “الشقراء”
(Blonde)
الذي بدا كأنه يستغل بطلته من أجل الجوائز، بدلا من تقديم سرد محكم.
فيلم رومانسي قصير داخل الفيلم
يقال إن “شون بيكر” -وهو مخرج الفيلم وكاتبه- أراد أن يجعل
الدقائق الـ45 الأولى من الفيلم تبدو فيلما مستقلا بذاته، وكأنها نسخة
مكثفة من كوميديا رومانسية هوليودية. ولكن ذلك لم يتحقق، فقد خلا الجزء من
عقدة قوية دافعة للقصة، ناهيك عن ترهل النصف الثاني من الفيلم، وهو ما جعله
أقل تماسكا.
والسؤال الرئيسي هنا: هل كان طول الفيلم معززا لارتباط
الجمهور بشخصياته، أم أنه أضعف الأثر العاطفي؟
بالتأكيد، يثير الفيلم التعاطف مع “أنورا” وهي تواجه
الخيانة والاستغلال، لكن تعدد التحولات في النبرة والأسلوب السردي، مع كونه
مثيرا للاهتمام في البداية، يخلق شعورا بالانفصال في نهاية المطاف، مما
يمنع الجمهور من الانغماس التام في رحلتها.
ولو كان الفيلم أكثر اختصارا، لكان ممكنا أن يكون أكثر
تأثيرا، فتقليل المشاهد المكررة كان سيحافظ على الإيقاع والتشويق، وربما
يعزز رسالة الفيلم حول الطبقية والاستغلال.
الإتقان البصري لا يصنع الأفلام العظيمة
يمكننا القول إن “أنورا” ليس فيلما سيئا، بل هو عمل مشغول
بحرفية وإتقان بصري لافت، فالمخرج “شون بيكر” وفريقه خلقوا تجربة بصرية
سينمائية تنضح بالأصالة، وتستحضر روح السينما العتيقة بلمسات حداثية.
كما أن أداء الممثلة “ميكي ماديسون” كان نقطة قوة رئيسية،
وزاد الأسلوب البصري المميز ثراء التجربة. لكن وسط كل هذا الإتقان، يظل
السؤال قائما: لماذا الإتقان؟
مشكلة الفيلم ليست في طوله فقط، بل في التوازن المفقود بين
الشكل والمضمون. صحيح أن “بيكر” أراد خداع المشاهد حين بدأ بقصة حالمة،
لكنه أفرط في ذلك، إلى درجة أن الثلث الأول من الفيلم أصبح شبه منفصل عن
بقية الأحداث.
وبينما تتوالى المشاهد الطويلة التي تعيد الفكرة بلا إضافة
تذكر، يتبدد التوتر، ويقلّ الدافع العاطفي لمتابعة مصير البطلة.
في النهاية، يبدو الفيلم كأنه محاولة لصنع فيلم يشبه التحف
السينمائية، أكثر من كونه تحفة سينمائية حقيقية. فهل كان يمكن اختصاره
ليصبح أكثر إحكاما؟
نعم، وبسهولة. لكن “بيكر” اختار طريقا آخر، فصنع فيلما يعكس
براعته التقنية، بيد أنه يفتقر إلى العمق السردي، الذي يجعله يستحق كل هذا
التقدير.
ربما يبقى “أنورا” فيلما مثيرا للنقاش، لكنه أيضا مثال على
أن الإتقان البصري وحده لا يصنع بالضرورة فيلما عظيما. |