ملفات خاصة

 
 
 

Bridget Jones: Mad About the Boy.. 

من الحلم بالاستقرار إلى الهوس بالمراهقين!

القاهرة -عصام زكريا*

جوائز الأكاديمية الأمريكية للفيلم

(أوسكار 97)

   
 
 
 
 
 
 

بعد ربع قرن على ظهورها على الشاشة لأول مرة (في جسد النجمة رينيه زيلويجر)، وبعد 30 عاماً على مولدها كشخصية خيالية على الورق، بقلم الصحفية والأديبة البريطانية هيلين فيلدنج، ها هي بريدجيت جونز تعود مجدداً في فيلم رابع يحمل عنوان Bridget Jones: Mad About the Boy، يصور وقائع الرواية الثالثة التي حملت الاسم نفسه، وصدرت منذ 9 سنوات.

خلال هذه العقود الثلاثة التي مرت سريعاً، ومع ذلك تبدو دهراً، مرت في الأنهار مياه كثيرة، وتغيرت معالم الحياة كثيراً، ومني العالم بمصائب كبيرة، ليس أقلها بالطبع أن بريدجيت جونز فقدت حبيبها وزوجها مارك دارسي (كولين فيرث)، وأنها صارت أرملة تجاوزت الخمسين.

دجاجة الرومانتيكية

دارسي، الأرستقراطي، خشن المظهر طيب الجوهر، لمن يعرف سلسلة بريدجيت جونز، هو أحد الشخصيات الرئيسية الثلاث التي اعتمد عليها الفيلمان الأول والثاني، والشخصية الثانية، بعد بريدجيت، في الفيلم الثالث، ولكن المؤلفة قررت التخلص منه بضربة قلم (أو لوحة مفاتيح) لا لسبب سوى أن تبث الحياة مجدداً في السلسلة (أو الدجاجة) التي تدر عليها ذهباً، أو ربما أيضاً، والمعنى في بطن الشاعر، لأن هذا الرجل الساحر الذي كان يمثل الذكورة المثلى في عيون نساء التسعينيات لم يعد مطلوباً الآن.

عندما نشرت حكايات بريدجيت جونز لأول مرة كيوميات في صحيفة Independent، اعتقد القراء أنها شخصية حقيقية، وحتى عندما عرفت الحقيقة ظل للشخصية حضورها القوي لدرجة أنها اختيرت ضمن أكثر النساء تأثيراً في الثقافة البريطانية خلال العقود السبعة الماضية، حسب استطلاع أجرته مجلة نسائية اسمها Women’s Hour.

هذا النجاح والتأثير يعني، أول ما يعني، أن ظهور بريدجيت جونز في 1995 لم يكن صدفة. منتصف التسعينيات هي ذروة أشياء كثيرة: العصر الذهبي للصحافة الورقية التي كانت تشهد أزهى وآخر أيامها، الروايات العاطفية، أو "الرومانتيك كوميدي"، الموجهة للنساء الحديثات، المتعلمات العاملات المستقلات، والتي شهدت ذروتها بالتزامن في السينما الأميركية.

هذا النوع الذي تطور من خلال أعمال مثل "بريدجيت جونز" وغيرها إلى ما عرف بـ"أدب الدجاج" Chick Lit، وهو مصطلح مركب يصف الكتابات القصصية "الأدبية" التي تتناول حياة نساء الطبقة الوسطى في المدن الكبرى خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.

لقد شهدت التسعينيات أيضاً أقوى حركة صعود للنساء في مجالات الحياة المختلفة، كما شهدت ذروة إحساس النساء بذاتهن، وصعود النسوية التي يمكن اعتبارها، في المقام الأول، ثورة النساء على ذاتهن القديمة.

من يشاهد الجزء الأول والثاني من أفلام بريدجيت جونز Bridget Jones Diary وEdge of Reason، أو يقرأ الكتاب اللذين اقتبسا عنه سيمكنه أن يلاحظ على الفور هذا الصراع الذي يعتمل في عقل وقلب الشخصية الرئيسية دون توقف، وقد يلاحظ أيضاً أن العالم مختلف تماماً، أو كثيراً، عن عالم اليوم، ليس فقط في التكنولوجيا وأساليب الحياة، ولكن أيضاً في أنماط الحياة الشخصية والمشاعر.

لقد اتسمت شخصية بريدجيت جونز بالغرابة والمبالغة والحماقة التي عادة ما يتسم بها أبطال الكوميديا.. ذلك أنهم، مثل أبطال الميلودراما، يجسدون الصراعات العنيفة المختفية تحت طيات الواقع.

من الهيستيريا إلى الأمومة

من يعاود مشاهدة الفيلم الأول من السلسلة الذي قُدم عام 2001، بعنوان Bridget Jones Diaries إخراج شارون ماجواير، ربما تدهشه  حد الإزعاج شخصية بريدجيت جونز: فتاة وحيدة تجاوزت الثلاثين ولم تزل تبحث عن نفسها، سكيرة تقريباً، مدخنة شرهة، نهمة للطعام والملذات، وإن كانت تعاني من ندم مزمن ورغبة في التغير، يتمثل في هوسها بكتب التنمية البشرية، وتطلعها الدائم لنيل للحب والاهتمام من قبل الرجال، حتى أنها لا تمانع في قبول مغازلات (تحرشات بمصطلحات اليوم) رئيسها في العمل، زئر النساء دانيل كليفر، بأداء الجذاب دوماً هيو جرانت!

إنها على حافة الهيستريا دائما (يحمل الفيلم الثاني عنوان Edge of Reason، أي على حافة العقل أو حافة الجنون)، مشاعرها مفرطة، وحالة من عدم الرضا لا تفارقها مهما كان وضعها، حتى لو كان اثنان من أوسم رجال العالم يتصارعان عليها، وحتى عندما تتزوج دارسي، الرجل المثالي، لا يفارقها القلق وعدم الرضا.

هذه الشخصية التي تجسد لحظة تاريخية مفصلية من عمر النساء والعالم، قبل حلول عصر الهوس بالصحة ومكافحة التدخين والشراب وتقنين العلاقات بين الجنسين في الجامعات وأماكن العمل وتراجع أهمية العائلة والحياة الزوجية بشكل عام، يمكن العثور على بعض ملامحها في التصدير الذي زين الغلاف الخارجي للرواية الأولى (طبعة "بيكادور"، 1996) والذي تقول كلماته:

"هل هي هجاء ساخر للعلاقات الإنسانية؟ استكشاف مأساوي، هزلي، لانهيار الأسرة النووية؟ أم أنها مجرد تهويم متخبط لفتاة غاضبة تجاوزت الثلاثين؟".

لقد تغير العالم، ونساءه، كثيراً، منذ ذلك الحين.

في الفيلم الثالث، الذي صدر في 2016 بعنوان Bridget Jones Baby، الكثير من بشائر هذا التغيير الذي ألم بكل شيء، والبطلة التي كانت ضعيفة، حائرة، تزوجت وأصبحت حبلى، ولكنها ليست متأكدة إذا ما كان الجنين طفل زوجها أم صديقها! وإذا كنت لم تزل غير متأكدا من معالم هذا التغيير، فما عليك سوى أن تشاهد الجزء الجديد.

الحرية مجدداً

لقد صارت بريدجيت أماً ولديها طفلان: بيل ومابيل، بالرغم من أنها أم مختلفة تماما عما كانت عليه الأمهات، فهي تقريبا لا تعرف كيف تطبخ أو تغسل أو تربي أطفالها بشكل عام. لقد مات زوجها مارك دارسي في حادث سيارة أثناء قيامه بمهمة إنسانية في السودان منذ 4 سنوات، ويرصد الفيلم رحلة خروج بريدجيت من صدمة الفقد والحزن وشبه حالة الحداد المفروضة على البيت، لتواصل الحياة بتفاؤل من جديد، ويتمثل هذا الطريق إلى الحياة مجدداً في اتجاهين: العودة لممارسة العلاقات الجنسية، والعودة إلى العمل.

ويشير عنوان الفيلم "مجنونة بالصبي" إلى أحد الخطوط الرئيسية للفيلم، وهو العلاقة التي تربط بريدجيت جونز التي تجاوزت الخمسين بشاب لم يتجاوز الثلاثين لم يكن قد ولد بعد عندما صدر الجزء الأول! والشاب الذي يدعى روكستر، بأداء مفتول العضلات ليو وودال، يبدو وكأنه خارج للتو من أحد إعلانات الملابس الداخلية

ويتفنن الفيلم، بإخراج مايكل موريس، في تصويره بشكل "فانتازي" كموديل ذكوري نموذجي، سواء بالتركيز على براءة وجهه وابتسامته الطفولية أو تصوير جسده العاري يشق مياه حمام السباحة بالحركة البطيئة!

هذه العلاقة بين امرأة فوق الخمسين وشاب يصغرها بعقدين أو أكثر ليست مجرد صدفة. هذه هي الطريقة التي يتم بها تخيل مجايلات بريدجيت جونز في الكثير من الأعمال الروائية والسينمائية اليوم. وليس من قبيل الصدفة أيضا أن تظهر عدة أفلام تروي قصصا مشابهة منها نيكول كيدمان في فيلمين، لا فيلم واحد، هما Babygirl وFamily Affair، الذي بدأ بثه على نتفليكس مؤخرا. وإذا كانت كيدمان تركز على الجسد، فإن ساندرا بولوك تبدو أكثر رومانتيكية، وهي تقع في حب موسيقي مراهق في فيلم The Idea of You!

صوابية نسوية 

لا تكتفي بريدجيت جونز في الفيلم الجديد بعلاقتها مع الشاب الصغير. فهذه علاقة لا تدوم تذكرنا بعلاقتها بدانيل كليفر في الفيلمين القديمين، ولكنها تنهي الفيلم بعلاقة أكثر استدامة مع رجل أكثر مثالية يذكرنا بدارسي وهو معلم بمدرسة أطفالها من أصل إفريقي يؤدي دوره المخضرم شويتيل إجيفور.

من المعروف أن يوميات بريدجيت جونز كانت بمثابة محاكاة عصرية لرواية جين أوستن الكلاسيكية "كبرياء وتحامل"، الصادرة في 1813، والتي دشنت ما يعرف بالرومانتيك كوميدي، أي الرواية العاطفية سعيدة النهاية.

ويبدو فيلم "مجنونة بالصبي" وكأنه محاكاة عصرية لرواية بريدجيت جونز الأولى، والثلاثة معا يقولون الكثير جداً عن تطور النساء وأدب النساء خلال القرنين الماضيين، كما يقولون الكثير عن العالم: من المرأة التي تحقق حلم الحب، وتجاوز وضعها الطبقي في "كبرياء وتحامل" جين أوستن إلى المرأة الحائرة بين الجسد والعاطفة والحرية والارتباط في "يوميات بريدجيت جونز"، إلى المرأة في عصر العلاقات المفتوحة التي تتحدى فارق العمر والعرق والجندر في الجزء الرابع.

الآن وقد شاخ دانيل كليفر وطاله المرض، ورحل مارك دارسي، ولم يبق منه سوى شبح الزوج الطيب والأب المثالي، بات الفضاء أكثر اتساعاً واحتمالا لتخييلات ونزوات وذاتيات النساء، ليس من أجل التدخين والأكل بشراهة والوقوع في الحب بجنون، ولكن لممارسة الصوابية السياسية والجنسية والفوز بالمال والبنون والنجاح في العمل والحب معا.

ومن العجيب أن نرى بريدجيت جونز مع نهاية الفيلم، وقد حصلت على كل شيء تقريباً، وهي نهاية قد تتفق مع نوع "الرومانتيك كوميدي"، ولكنها أكبر نكتة يمكن أن يحملها هذا الفيلم الكوميدي!.

* ناقد فني

 

####

 

أوسكار 2025.. توقعات ليلة الحسم في سباق المفاجآت

دبي -محمد عبد الجليل

مع إغلاق باب التصويت لجوائز الأوسكار في دورته السابعة والتسعين، تتجه الأنظار إلى ليلة الثاني من مارس، حيث ستُحسم واحدة من أكثر المنافسات شراسة في تاريخ أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة، فمنذ الإعلان عن قائمة الترشيحات، بدا المشهد وكأنه ساحة معركة تتنافس فيها الأعمال الكبرى، دون أن يبرز منها فيلم واحد كمرشح أوحد للفوز.

لا شيء يبدو محسوماً، نحن أمام سباق لا يخضع لأي قواعد مألوفة، الاستطلاعات غير الرسمية واستقراء اتجاهات المصوتين يكشفان عن معركة مفتوحة لا تزال تشتعل حتى اللحظات الأخيرة.

في المقدمة، يقف Anora، الفيلم الذي جاء من الظل إلى دائرة الضوء، حاصداً كل ما يمكن حصدُه من جوائز تمهيدية، منذ لحظة تتويجه بالسعفة الذهبية في الدورة الأخيرة لمهرجان كان السينمائي، بدا وكأنه يخطو في اتجاه الأوسكار، ثم جاءت جوائز نقاد السينما CCA، نقابة المنتجين PGA، نقابة المخرجين DGA، ونقابة الكتاب WGA، لتعزز من موقعه

لكن السينما لا تعرف الحتميات، وخبرة السنوات الماضية تقول إن التتويج المبكر ليس دائماً مؤشراً على الفوز النهائي.

على الجانب الآخر، يقف The Brutalist، فيلم يحمل بصمة برادي كوربيت، والذي وإن كان يمتد على أكثر من ثلاث ساعات ونصف، إلا أنه استطاع أن يفرض حضوره في سباق الجوائز، متوجاً نفسه بأفضل فيلم في الجولدن جلوب وأفضل مخرج في البافتا

هذا النوع من الأفلام ذات الطابع التاريخي والملحمي لطالما جذب الأكاديمية، من Lawrence of Arabia إلى Schindler's List، ومن Ben-Hur إلى The Lord of the Rings. 

وفي زاوية ثالثة، يبرز Conclave، فيلم الإثارة الذي يأخذنا إلى دهاليز الفاتيكان وصراعاته السرية، حقق الفيلم نجاحاً كبيراً في البافتا، حيث خرج منها بأربع جوائز، بينها أفضل فيلم، لكنه يصطدم بحقيقة أن جوائز الأكاديمية البريطانية لم تكن يوماً مؤشراً دقيقًا للفائزين بالأوسكار، باستثناء حالات نادرة، كما حدث مع Oppenheimer وNomadland في السنوات الأخيرة.

صراع "بيكر" و"كوربيت"

في سباق الإخراج، يبدو أن الأوسكار يدور حول رجلينشون بيكر، الذي فاز بجائزة نقابة المخرجين DGA، والتي لطالما كانت أكثر الجوائز التمهيدية دقة في التنبؤ بالأوسكار، وبرادي كوربيت، الذي حصد جائزة البافتا، وهو إنجاز لا يمكن تجاهله، رغم أن الطريق إلى الأوسكار لا يسير دائماً وفق هذه الحسابات.

إذا فاز بيكر، فإنه لن يحصد فقط جائزة أفضل مخرج، بل قد يحقق إنجازًا تاريخياً بالفوز بأربع جوائز في ليلة واحدة (مرشح بجانب الإخراج لجوائز المونتاج والقصة الأصلية وأفضل فيلم)، ليصبح ثاني شخص في تاريخ الأكاديمية يحقق هذا الإنجاز بعد والت ديزني

وإذا كان هناك شيء تعلمناه من السنوات الأخيرة، فهو أن الأكاديمية تحب المخرجين أصحاب الرؤى السينمائية المستقلة، من كاثرين بيجلو عن The Hurt Locker عام 2010، إلى كلوي تشاو عن Nomadland في العام 2021.

لكن كوربيت ليس خصماً سهلاً، فالمخرج الذي صنع The Brutalist بتلك العناية الدقيقة استطاع أن يكسب احترام النقاد والمصوتين على حد سواء، ومن يدري، ربما يكون انتصاره بمثابة مفاجأة أخرى في موسم الجوائز الأكثر تقلباً.

جائزة أفضل ممثل

يبدو أن أدريان برودي يمضي في طريق مفتوح نحو التتويج، فوزه بجوائز نقاد السينما، الجولدن جلوب، والبافتا جعله المرشح الأبرز، لكنه ليس بعيداً عن دائرة المنافسة

تيموثي شالاميه، الذي جسد شخصية بوب ديلان في A Complete Unknown، لا يزال في السباق، ولو أن التاريخ لا يقف في صفه، إذ لم يسبق لممثل أن فاز بالأوسكار بعد حصوله فقط على جائزة نقابة الممثلين.

البعض تحدث أيضاً عن عائق آخر أما فوز شالاميه، يتعلق بعمره 29 عاماً، الذي ربما يدفع المصوتين إلى عدم منحه الجائزة على اعتبار أنه أمامه مستقبل كبير وفرص أكثر، وهذا المنطق كان حاضراً في حالات سابقة، كما حدث مع ليوناردو دي كابريو الذي اضطر للانتظار حتى ترشيحه السادس قبل أن يفوز أخيراً عن The Revenant.

إلا أن هذا المنطق ربما يكون غير دقيق خاصة أن منافسه أدريان برودي حصل على نفس الجائزة عام 2003، في نفس العمر عن فيلم The Pianist، وسط منافسة شرسة مع جاك نيكلسون، ودانييل داي لويس، ومايكل كين، ونيكولاس كيج.

مواجهة بين "ماديسون" و"مور"

لفترة طويلة، بدا أن ديمي مور تسير بخطوات ثابتة نحو الأوسكار عن دورها في The Substance، لكن فوز مايكي ماديسون بجائزة البافتا قلب الموازين

أداؤها في Anora لم يكن مجرد دور، بل كان كشفاً لموهبة جديدة، تماماً كما حدث مع بري لارسون عندما فازت في 2016 عن Room.

في المقابل، هناك مرشحة قد تخلط الأوراق، وهي البرازيلية فرناندا توريس عن I'm Still Here. 

صحيح أنها لم تفز إلا بالجولدن جلوب، لكنها تلعب دور ناشطة سياسية تناضل ضد نظام قمعي، وهو النمط الذي لطالما انجذبت إليه الأكاديمية، من باتريسيا أركيت عام 2015 في Boyhood، إلى فرانسيس مكدورماند في Nomadland.

Dune.. ورهان الجوائز التقنية

رغم أنه لم يترشح لأفضل فيلم، إلا أن Dune: Part Two يظل حاضراً بقوة في الفئات التقنية، حيث يُتوقع أن يكتسح جوائز المؤثرات البصرية، الصوت، وتصميم الإنتاج

وبحسب ما نشرته مجلة "فارايتي"، هناك من داخل الأكاديمية من أبدوا دهشتهم من غيابه عن الفئات الكبرى، معتبرين أن عدم ترشيح دينيس فيلنوف للإخراج كان خطأً فادحاً.

في النهاية.. هذه ليلة لا يمكن الجزم بنتائجها، وكما علمتنا الأوسكار عبر تاريخها الطويل، فإن السباق لا ينتهي إلا عندما يُفتح الظرف الذهبي، ويُعلن الفائز أمام أعين العالم.

 

الشرق نيوز السعودية في

19.02.2025

 
 
 
 
 

المادة”.. صياغة حداثية عن محاولات الخلود والبقاء بين جسدين

خالد عبد العزيز

بعد أن أفنى الإمبراطور الصيني “تشين شي هوانغ” القسط الأكبر من حياته في توحيد الممالك الصينية المتناحرة، انطلق في بحث دؤوب عما يجعل عمره الزمني يمتد بلا نهاية، فأصبحت حياته فريسة لينة للعقاقير والتعاويذ السحرية، فاستحوذت طواعية على مسارات جسده، فأسلم مقاديره لمصيره المحتوم المعلوم سلفا، وحينها أصبح حلم الخلود سرابا منثورا.

قد تبدو هذه المقدمة خارجة عن سياق التناول النقدي، لفيلم إشكالي وجدلي، هو الفيلم البريطاني الفرنسي “المادة” (The Substance)، الذي كتبته وأخرجته الفرنسية “كورالي فارغايت” (2024)، وهو ثاني تجاربها الروائية الطويلة، وقد نال جائزة أفضل سيناريو في الدورة الـ77 من مهرجان كان السينمائي، ورُشح لخمس جوائز أوسكار.

لكن بنظرة بانورامية على فكرة الفيلم العامة، نجد أنها -بطريقة أو بأخرى- تبدو مماثلة لتلك الحكاية التاريخية التي ذكرنا، فالبحث عن وهم الخلود والبقاء، يشكل العصب الأساسي لفيلمنا.

عقار الشباب لامرأة متقاعدة

تدور الأحداث حول “إليزابيث سباركل” (الممثلة الأمريكية ديمي مور)، وهي نجمة ومقدمة برامج استعراضية، انحسرت عنها أضواء الشهرة، بعد أن أحالتها الشبكة الإعلامية التي تعمل فيها إلى التقاعد المبكر، على إثر بلوغها سن الخمسين، وبطريق الصدفة تعثر على عقار طبي، ينسخ من باطنها نسخة أحدث عمرا وأكثر شبابا.

قد تظن في أول وهلة أن هوية الفيلم الفكرية مكررة، أو سبق توليفها في سياقات مشابهة، لكن الحقيقة أن العكس هو الصحيح تماما، فمع أن الجدار الفكري الواضح والصريح للسرد هو التناول المباشر لسراب البحث عن الخلود، فإن هذه الفكرة ما هي إلا بوابة افتراضية، مفتتح ومدخل لما هو أعمق.

فالصراع مع الزمن يشكل جدارا فكريا موازيا، وهذا النزاع المستعر يُستدعى هنا في مستوى أكثر اشتباكا مع الواقع، فتتصاعد من بين طيات السرد نبرة انتقادية منددة بالإجراءات التجميلية، التي تسهم في تسليع الجسد الإنساني.

وبناء على ما سبق، يمكن القول إننا أمام فيلم مثقل بالهموم والرؤى التي تحتاج بلا شك إلى سرد سينمائي وبصري، يلائم هذا الطرح الفكري الدسم، وعندئذ يصبح مشروعا وواجبا السؤال عن أسلوبية التناول والتعبير.

تجربة علمية على بيضة تفقس شبيهتها

لا يتأخر السرد في تقديم دعائم إجابته، ففي المشاهد الأولى من الفيلم نرى تجربة علمية على بيضة ما، تُحقن بمادة طبية لا يدرك كنهها، وما هي إلا ثوان معدودة وتخرج منها نسخة أخرى، مماثلة لها في الحجم واللون.

وفي المشهد الموالي، نرى من زاوية علوية مراحل الإعداد والبناء لنجمة هوليود الأرضية باسم “إليزابيث سبراكل”، وتتوالى اللقطات التي تكشف تصاعد منحنى النجومية والشهرة وهبوطه، وما يرافق هذه المعادلة، من تأثير حقيقي على الجدارية الأرضية، فتصاب بالوهن والتشقق.

وهكذا اختار السرد أن يبدأ حكايته بهذا التتابع، الذي قد لا يوحي بأنه يرتبط بصلة محددة بنطاق الفيلم، لكن ما يثير الدهشة والتأمل حقا، هو أن هذا المفتتح يفصح ببلاغته الموجزة، عن مضمون الفيلم وفكرته، بالتوازي مع كشفه المتواري عما سنراه لاحقا من أحداث، وكأننا أمام بلورة سحرية تزيح الستار عن المستقبل.

نسيج بين أرذل العمر وشرخ الشباب

نسج السيناريو أحداثه وفق إطار درامي خيالي، لا يخلو من الجرعات المكثفة للرعب النفسي، وتدور دفة الحكي استنادا على مبدأ الأقواس الدرامية، فالبداية مع القوس الافتتاحي، الذي ينطلق على مضمار السرد، مع مشاهد إنشاء النجمة الأرضية من “إليزابيث”.

وينغلق القوس المقابل كذلك من ذات المكان، وما بين هذا الإطار وذاك يقبع النسيج السردي، المتشعب الاتجاهات والأفكار، ومن ثم لا يلجأ السيناريو إلى الالتواءات الدرامية، ولا إضافات أدنى تعرجات زمنية أو سردية، بل يعمد في بنيانه على خطية الحكي، الذي يحتوي هيكله على الفصول الدرامية المعتادة، التمهيد المبدئي، ثم الوسط أو صلب الحكاية المتضمن للذروة المنتظرة، ثم الوصول إلى الفصل الثالث الختامي للقصة.

وبذلك تتساوى كفتا الميزان بين حداثية الأسلوب الفني والإخراجي من ناحية، ونمطية البنية الدرامية على الجهة الأخرى، التي تعقد على مدى زمن الفيلم (نحو 140 دقيقة) مقارنة بين عالمين، أحدهما بلغ من اكتمال العمر أرذله، أما الجديد الناشئ فما زال ينبش عن مساحته المستحقة في الوجود.

صراع نسخة النضوج ونسخة الصبا

سعيا لمعاودة طرق أبواب الشهرة، تتناول “إليزابيث” المحلول الطبي، فيتفاعل تلقائيا مع الحمض النووي، وينشئ ذاتيا نسخة إنسانية بالغة الكمال من رحم النسخة الأولى، وتلك معارضة فنية لرواية “دكتور جيكل ومستر هايد” للكاتب الأسكتلندي “روبرت لويس ستيفنسون”.

نصبح أمام نسختين مكتملتي الروح والإحساس، تمارس كل منهما حق الحياة مدة 7 أيام، تتبادلها مع الأخرى، وفق موعد معلوم ثابت لا يتغير، وذلك حفاظا على تفاعلات التوازن الوجودي بينهما.

ثم يدخلنا السرد في رحلة شيقة، قوامها التضاد الشكلي، مع الإبقاء على معادلات التجانس الداخلي، وهكذا تنطلق محركات الحكي بين رحى عالمين، لكل منهما بنيانه وأركانه، التي يبدو أنها لا تتقاطع مع الآخر، لكن الواقع أن كلا منهما يشتبك مع الآخر.

فإذا كانت الفكرة الفلسفية المتداولة عن احتواء النفس البشرية على طرفي الخيط من الخير والشر، فإن المعالجة الدرامية هنا تبدو متقاربة بدرجة أو بأخرى من هذا الطرح الفكري، لكن بدلالات أكثر توافقا مع البيئة العامة للأحداث، التي تعني برصد مواطن الاختلاف بين هذا العالم الناضج، وما يماثله على الناحية الأخرى من عالم ناشئ حديث الولادة.

وحينها يمكن أن نلاحظ تباينات جوهرية بين هذا العالم وذاك، فيخلق السرد خطا دراميا منفصلا لكل شخصية عن الأخرى، أما البداية فهي مع “إليزابيث”، التي تطالعنا في حالات الوجوم والخوف الفطري الدائم من انكشاف حيلتها، بجانب نوبات الهلع عند اكتشاف التطورات المتلاحقة على جسدها، الذي تزداد إصابته بالوهن والكبر، مع كل غفوة تبادلية مع الكائن الجديد.

أما النسخة المعدلة الحديثة التي تسمى “سو” (الممثلة الأمريكية مارغريت كوالي)، فإن حياتها تشهد نموا مطردا نحو الشهرة والنجومية، بعد أن بسطت سيطرتها على البرنامج الاستعراضي، الذي كانت تقدمه نصفها الآخر “إليزابيث”.

وبهذا التبادل بين النسختين، يمكن الإمساك بملامح المقارنة الواضحة والمطمورة في نفس الآن، بين مراحل العمر المتباينة، أو بمعنى أكثر رحابة، بين بريق الشباب، وخفوت الكِبر.

الأصل والفرع

بعد أن اكتمل الفصل الأول بقذائفه التمهيدية الكاشفة عن أزمة البطلة النفسية والوجودية، يصحبنا الفيلم شيئا فشيئا إلى الفصل الثاني من الحكاية، ومن أجل قراءة أوسع وأشمل، يمكن إحالة العلاقة بين “إليزابيث” و”سو” إلى نموذج العلاقة بين الكائن الطفيلي والجسد المضيف، ترى من منهما يتغدى ويقتات على الآخر؟

ومع تصاعد شهرة “سو” لا ترتوي من حصتها المقررة من الأيام السبعة، وتحت ضغط الرغبة في البقاء داخل الحيز الوجودي أطول فترة ممكنة، تلجأ إلى اختلاس كميات أكبر من سائل الحياة المدمج داخل جسد الأصل “إليزابيث”.

لكن ما عجزت هي عن الوصول إلى صيغة تفاهمية بشأنه، أنه كلما ازداد الاستهلاك ارتد ذلك عكسيا على النسخة المقابلة، فتفقد تدريجيا مع مرور الوقت كل صلتها بالحياة الواقعية.

ولتستقيم مسارات العيش بينهما، لا بد أن تتساوى كفتا الميزان، وهذا ما يشكل عائقا ومانعا جوهريا، فالحق في الوجود مكفول لهما، لكن إحداهما يطغى إقبالها نحو ملذات الحياة على الأخرى.

هنا الفرع “سو”، يستلهم سوائل الحياة من الأصل “إليزابيث”، وهكذا في متوالية دائرية، لا تبدو لخطوطها نهاية، مما يشكل لمحة -وإن يسيرة- عن الصراع الدرامي للفيلم، فالصراع هنا بين العالمين، بين الأحدث والأقدم، أو في رؤية أخرى بين الأصل والفرع، أما الحقيقة فهي أن كلا منهما ليس إلا انعكاسا للآخر.

فرغبات النسخة الجديدة وأفعالها وتحققها المهني، هي أحلام سابقة في عقل الأولى، ولذلك تصبح أفعال الثانية ترجمة حرفية، واستعادة لمشاعر وتطلعات النسخة الأقدم، فكل منهما يقتات على الآخر، مع أنه ظاهريا قد يبدو عكس ذلك.

وحينها يمكن استنباط المعنى الكامن في الجملة التحذيرية المرافقة للعقار الطبي، “تذكّرا، أنتما نسخة واحدة لا اثنتان”، فكل منهما امتداد للأخرى واستكمال لها، ولذلك تتضح دلالة تراجع “إليزابيث” عن قرارها السابق بالتخلص من “سو”، حتى تكمل تحقيق حلمهما بتقديم الحفل الفني لنهاية العام.

وهكذا يستمر الصراع بين الأصل والفرع، تُرى هل سيصل أحدهما إلى مرفأ الأمان والاستسلام بقوانين اللحظة الراهنة؟ أم أن تلك الدوامة السيزيفية ستواصل إبحارها بلا نهاية؟

مقصلة الزمن.. قوة عاتية تفسد أحلام الخلود

للإجابة على السؤال السابق، لا بد أن يُستدعى سؤال آخر من قائمة الانتظار؛ ألا وهو ما الدوافع الحقيقية التي أوصلت بطلتنا إلى نسخ شخصية موازية لها؟

وحينها يمكننا عبر ممارسة حق الجواب على السؤال اللاحق، أن نصل إلى إجابة يقينية على السؤال الأساسي، وبالعودة إلى جوهر الحكاية ذاتها، سنجد ضالتنا بين سطور السرد.

فالرغبة في البقاء تحت أضواء الشهرة، ليس السبب الوحيد الراسخ اليقين، لكن ما يكمن وراء هذه المحاولات يقع تحت طائلة التشبث حتى الرمق الأخير بأهداب الحياة.

يحيلنا هذا الإصرار إلى قراءة موازية أكثر اتساعا للصراع الدرامي، الذي يمكن حينها تأويله إلى صراع الإنسان ضد قوى أعتى وأشد بأسا كالزمن، الذي لا يفرق في تأثيرات تدفقه واندفاعه للأمام بين إنسان وآخر، فالجميع سواسية أمام سلطان رياح التبدل والتغير، التي أصابت “إليزابيث” وهي غافلة تظن أن نصال الزمن الحامية لن تقترب من وهج شهرتها.

الوقت يتحرك ببطء، لكنه يمر مسرعا

يمكن القول إن مفتاح قراءة الفيلم والوصول إلى مدلوله، يقع بين أسوار مقولة الكاتبة الأمريكية “آليس ووكر” عن الزمن وإيقاعه المتسارع “الوقت يتحرك ببطء، لكنه يمر مسرعا”.

فالزمن الراكض باندفاع، يمثل عدو بطلتنا الأول، وهي تحسب في لحظة منفلتة من الوقت أنها هزمت هذا الخصم العتيد، لكنه دوما لديه ما يكفي ويفيض من الأساليب المراوغة للإمساك بفرائسه، وإنزال النكسات المفاجئة بأوهام أحلامهم.

وليكتمل السياق التعبيري عن الفكرة العامة، ينسج السيناريو سرديته، اعتمادا على عدالة توزيع أدوار اللعب بين “إليزابيث” و”سو”، ويطالعنا بينهما “هارفي” (الممثل الأمريكي دينيس كويد) مدير القناة التلفزيونية، التي تبث برنامج إليزابيث سابقا وسو حاليا.

رسم السرد شخصية “هارفي” أقرب إلى الكاريكاتورية منها إلى العالم الواقعي، فيبدو بنمط معيشته الشرهة للحياة بكل ما بها من فرائض دنيوية، عاملا مساعدا في اكتمال وقائع مأساة بطلتنا، سواء توفرت القصدية المباشرة أو لا.

وقد ساهمت مشاهده المعتمدة في صياغتها البصرية على زوايا مقربة، تكاد تلتهم تعبيرات الوجه، استكمالا للتوصيف المثالي للعالم الذي تدور فيه الأحداث، ليبدو يحمل مزيجا خاصا من الواقعية الصريحة بما تشي به من دلالات، والكابوسية الكافكاوية بما تحمله من سوداوية.

ترهلات وشحوم زائدة في خاتمة الفيلم

يواصل السرد الفيلمي تقدمه نحو الذروة المنتظرة، التي تنطلق شرارتها مع حلول الشق الأخير من الفصل الثاني، فيرتفع منسوب أنانية “سو” إلى معدلات غير مسبوقة، تستحوذ فيه على حصة مضاعفة من الأيام، ثم تؤثر تلقائيا على النسخة الأولى “إليزابيث”، التي تفقد كل ما يثبت صلتها بالنموذج والهيكل البشري، فتتحول إلى مسخ فاقد لأدنى معالم الإنسانية.

ولا شك أن فنان الماكياج الفرنسي “بيير أوليفير بيريسن” بذل جهدا خلاقا في تصميم هذا التعديل على الممثلة “ديمي مور”، لتبدو عناصر الفيلم الفنية -كشريط الصورة والتكوين وزوايا الكاميرا وحركاتها- مؤلفة جيدا، وتنجح بجدارة في خلق أسلوب صادم وجذاب في نفس الآن، ولا يؤدي إلى إحداث الصدمة لدى المتلقي فحسب، بل يبعث على التوتر كذلك طوال مدة العرض السينمائي.

وهذا يحيلنا بالتأكيد إلى ما شاب الفصل الثالث من ترهل سردي واضح، والمبالغة التي أصابت السياق العام بالوهن المؤقت، وتحديدا عند التعبير عما آلت إليه الشخصية.

لكن هذا الطول النسبي في مشاهد الختام، لا ينفي ولا يقلل قوة الفيلم وجودته الفنية، وقدرة الإخراج وحرفيته، فهو يستحق التحية والثناء على أسلوبه المبتكر في المعالجة والتناول، وكذلك على نطاق إدارة الممثلين، وتحديدا “ديمي مور” التي بلغت هذا العام عامها الـ62، فبدت كأنها تجسد قصتها الذاتية.

يتلاقى الطرح الفكري مع الهيئة الشكلية للفيلم، ويقف كل منهما على قدم المساواة من الآخر، مما يجعل الفيلم يصمد زمنا في غياهب الذاكرة، فالقدرة على المكوث في ذائقة المتلقي، هي ما تثبت نجاح العمل الإبداعي من عدمه، والأهم هو القدرة على طرق المثير من الأفكار والتأملات، ولا أبلغ من أمنيات الاستمرار والخلود، لتصبح هي المادة الفعالة للبحث والفكر.

وكم من أفكار أقضّت مضاجع أصحابها!

 

الجزيرة الوثائقية في

18.02.2025

 
 
 
 
 

فيلم «كونكليف»… الكرادلة في صراعاتهم

سليم البيك

يحصل أن تدخل السينما في سياقات واقعية، فيكون الفيلم بعناصر تصفّ جنباً إلى جنب لتوحي بأنها حاصلة فعلاً، أي أن الفيلم مأخوذ عن أحداث حقيقية، أو كتاب تاريخ أو سيرة ذاتية، أنه ليس خيالاً أو ببساطة، ليس فيلماً روائياً بقصة أصليّة مكتوبة خصوصاً للفيلم. أما العناصر فهي ما يمكن أن توحي بصعوبة اللعب فيها خيالاً، كانتخاب بابا جديد في الفاتيكان.

شخصيات واقعية، لها تاريخها، تُستحضَر إلى الخيالي السينمائي، فتجلب معها واقعية الأحداث واحتمالية حدوث ما لم يحدث منها. يقول أحدنا: هذا البابا وهذه الفاتيكان والقصة محاطة بعملية واقعية هي انتخاب بابا جديد، لمَ لا تكون الأحداث إذن ضمن الإطار والإمكانات الواقعية وحسب، وبالتالي لمَ لا تكون قد حصلت، أي تاريخية، أو في طور الحصول؟

فيلم «كونكليف» (Conclave) لإدوارد برجر، انطلق من عناصر واقعية بُنيت عليها قصته، إلى الخيال، مستفيداً من حصر المشاهد بهذه العناصر الواقعية، بإحاطته بها، في عالم تحمله واقعيته ليكون حدثاً تاريخياً ما، لينطلق، ضمن هذه الواقعية، إلى قصة مفبركة، بالمعنى الإيجابي للفبركة، إي قصة مغزولة، أو محبوكة، أو مختلقَة، أو مؤلَّفة، مكتملة العناصر الواقعية، بشخصيات وأمكنة وظروف موجودة أصلاً، ليخرج الفيلم، من بعد التمكن من واقعية ما يحصل على الشاشة، بأمان إلى اللعب الحكائي، في ما يمكن أن يحصل في سياق انتخاب البابا. وهو سياق شديد الدقة والإحكام في أشكاله وأحاديثه تبعاً لشخصياته، وهم رجال دين، كرادلة، أحكموا الإغلاق على أنفسهم لعملية الانتخاب، تماماً كما أحكم الفيلم الإغلاق على مشاهديه، لخلق واقعية الأحداث، كأنها حصلت في زمان ما، لم يخرج كثيراً عن ديكورات الفيلم وأزيائه.

الفيلم الذي يصوّر ما يقال إنها العملية الأكثر سرية في العالم، وكما أحكم في عناصره الواقعية على مشاهديه، أحكم الإغلاق على قصته لحصرها ضمن جدران الفاتيكان، وضمن أيام محدودة هي لانتخاب الكرادلة للبابا الجديد. يبدأ الفيلم بموت البابا وينتهي باختيار خلف له. النوافذ أغلقت، الإنارة خافتة على طول الفيلم، التصوير المستعيد للانطباعية الألمانية، بما فيها من ظلال وعتمة وتلاشٍ للنور هنا وهناك، في نوع من التشويق، من خلال استخدامات الإضاءة، ملائم لتشويق القصة، في أن أحداثاً تحصل وأخرى مرتقبة قد لا تلائم توقعاتنا، في غموض تكبر نسبته في القصة، تماماً كغموض الصورة وقد تفشت عليها الظلال. هذا الإغلاق التصويري والسردي داخل القاعات، تحديداً، حيث التصويت السري، لازمَ إغلاقاً في العملية برمّتها. كأن الكرادلة الملتزمين بلباسهم، المعزولين للضرورة عن كل ما هو خارجهم، حتى عمليات تفجيرية في الجوار تم الحرص على ألا تصلهم أخبارها كي لا يتأثروا بالتصويت، بانوا كأنّهم، بكل ذلك، خارجين من عصور وسطى يعمّها التعصّب والانغلاق، وعزل الكنيسة عن العالم.

للفيلم رسائل واضحة، لا يخفيها، في ضرورة انفتاح الكنيسة على ما هو خارجها. في الفيلم تباين بين الخير والشر، ولا يكترث في أنسنة هذا أو ذاك. في الفيلم، الأقرب لحكاية أخلاقية، صراع كنسيّ بين قطبين، ليبرالي متحرر ينادي بحقوق الأقليات والنساء والمثليين، وبالتسامح مع باقي الأديان، وهو الخيّر كما يظهر الفيلم من دون مواربة، والآخر يمثله كاردينال لا يخفي حمقه، أقرب ليكون مهرجاً في كلامه وسلوكه، لكن أكثر من حمقه، لا يخفي عنصريته تجاه كاردينال افريقي نال العدد الأكثر من الأصوات، ولا تجاه الإسلام ونبيّه، وينادي بحروب الأديان. ليصرخ به الكاردينال «الليبرالي»: عليك أن تخجل من نفسك.

ولأن الفيلم يغوص في عوالم الكنيسة، وكما كان مبالغاً، للضرورة، في إظهار حمق أحدهم وتهريجه، كان لا بد من تقديم النقيض منه في الدرجة ذاتها من الشدة، هو هنا الكاردينال المسؤول عن إتمام عملية التصويت، مثالي وعادل كما يمكن لشخصية جيدة في حكاية دينية أن تكون. معه الليبرالي، وكاردينال آخر، مكسيكي خدم في بغداد ويخدم في كابول، وفيه كل ما هو نقيض ما مثّله المهرّج، من انغلاق وعنصرية ورجعية جعلت آخرين يكرّرون بأنه سيعيد الكنيسة قروناً إلى الوراء.

كرادلة آخرون مرشحون لمنصب البابا، أحدهم فاسد واستخدم الابتزاز، ينكشف، وآخر عصبيّ وأقام علاقة مع امرأة، ينكشف كذلك. التشويق غير العنفي الذي نقلنا عبره الفيلم، بأمان، من موت البابا إلى اختيار خليفته، كان من خلال تمرير عملية التصويت، القصة، بعقدٍ صغيرة متتالية، كانت بانكشاف كاردينال تلو الآخر، مع تصاعد التعقيد كلّما تقدّم الفيلم وتنحّى كاردينال. هي عقدٌ صغيرة متتالية تبني معاً القصة الكبرى بعقدتها العامة، وهي اختيار آمن للبابا. أتت القصة محبوكة جيداً، متلاصقة، تودي واحدتها إلى الأخرى، في مستوى تشويق عالٍ على طول الفيلم. فكان «كونكليف» ماكناً متمكناً، قصةً وصورةً وأداءً.

أخيراً، ستتكسّر الجدران التي تعزل الكرادلة عن العالم خارجهم، سيدخل النور، الشمس تسطع في الداخل، بدل إنارات الشموع التي بالكاد تكشف مساوئ هذا أو ذاك. ودخلت الريح من أعلى الجدار المتكسّر، هزّت بطاقات التصويت لتغيّر قروناً من الانعزال والإغلاق، لتهزّ الكنيسة ومبادئها من خلال البابا الجديد. بالقدر الذي كان الفيلم فيه واقعياً بعناصره، هو، بالنظر إلى واقع الكنيسة، خيالي، جداً، في نتيجته.

كاتب فلسطيني/ سوري

 

القدس العربي اللندنية في

19.02.2025

 
 
 
 
 

«بافتا» تمهد الطريق للأوسكار ..

سباق الجوائز السينمائية يقترب من نهايته

كتب: ريهام جودة

تقترب لحظة الحسم والتتويج بأبرز وأعلى الجوائز السينمائية «الأوسكار»، والتى ينتظرها صناع السينما ونجومها، بإعلان جوائز الأوسكار فى دورته الـ٩٧، وقبل ٣ أسابيع من انطلاقه، بما يمكن أن يمنح مؤشرًا واضحًا على فرص الأفلام الفائزة فى المنافسة على الأوسكار، حيث يقام حفل الأوسكار فى الثانى من مارس المقبل، بمدينة لوس أنجلوس، مع صعود نجم وحظ أفلام مثل «Anora وThe Brutalist وConclave»، وفوزها بعدد من الجوائز العالمية، ليشعل ويشوّق السباق نحو الأوسكار ٢٠٢٥ حتى اللحظة الأخيرة.

وشهد الأسبوع الجارى الإعلان عن جوائز بافتا Bafta التى تمنحها الأكاديمية البريطانية للأفلام فى لندن، وتصدر الجوائز فيلما «Conclave » و«The Brutalist»، حيث نال كل منهما ٤ جوائز، لكن الفيلم الأول «Conclave » نجح فى انتزاع جائزة أفضل فيلم، بعد أن دخل الحفل كأكثر الأعمال ترشيحًا بـ١١ ترشيحًا.

كما فاز «Conclave» بجوائز أفضل فيلم بريطانى وأفضل سيناريو مقتبس وأفضل مونتاج، وتعد الجوائز الأهم فى «بافتا»، وفاز «The Brutalist» بجوائز أفضل مخرج لبرادى كوربيت، وجائزة أفضل ممثل لبطله أدريان برودى، وأفضل موسيقى تصويرية أصلية وأفضل تصوير سينمائى.

وعلى الجانب الآخر كان فيلم The Brutalist يعتبر من أبرز المرشحين لجائزة أفضل فيلم، لكنه فاز بجائزة أفضل مخرج لبرادى كوربيت، وجائزة أفضل ممثل لبطله أدريان برودى.

الفيلم الذى تبلغ مدته ٣ ساعات ونصف الساعة، يحكى عن مهندس معمارى مجرى مهاجر يحاول إعادة بناء حياته فى الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، وقال بطله أدريان برودى فى خطاب قبوله للجائزة «يدور الفيلم حول السعى إلى ترك شىء ذى معنى، وأعتقد أن هذا شىء يمكننا جميعًا أن نتعاطف معه».

من جانبه قال إدوارد بيرجر مخرج «Conclave» فى خطاب قبوله جائزة أفضل فيلم بريطانى «نحن نعيش فى زمن أزمة الديمقراطية، والمؤسسات التى تُستخدم عادة لجمعنا باتت تُستخدم لتفريقنا».

وأضاف «بيرجر»: «أحيانا يكون من الصعب الحفاظ على الإيمان فى هذا الوضع، ولكن هذا هو السبب الذى يجعلنا نصنع الأفلام؛ ولهذا السبب صنعنا هذا الفيلم».

من ناحية أخرى فاز فيلم «Emilia Pérez»، الذى يمزج بين نوعى الأفلام الموسيقية وأفلام الجريمة، بجائزة أفضل فيلم فى فئة الأفلام غير الناطقة باللغة الإنجليزية.

وقال مخرجه جاك أوديار، وهو يتسلم جائزته «هذا رائع للغاية، لم يكن ينبغى لكم أن تفعلوا ذلك، هذه الجائزة ليست لى وحدى، وإنما لكل من عمل من دون ملل فى هذا الفيلم».

وشكر «أوديار» أعضاء فريق عمل الفيلم، بمن فى ذلك بطلته كارلا صوفيا جاسكون التى غابت عن الحفل، والتى رُشحت لجائزة أفضل ممثلة، وأثارت جدلًا كبيرًا لكونها أول ممثلة متحولة جنسيًا تُرشَّح للجائزة، كما أثارت لغطًا بعد اعتذارها عن منشورات سابقة على وسائل التواصل الاجتماعى تسىء إلى المسلمين وغيرهم من الجماعات، وقالت إنها ستلتزم الصمت لمساعدة فيلم «Emilia Pérez» قبل حفل توزيع جوائز الأوسكار، بعدما أثر ذلك الجدل فى إضعاف الدعم والتفاعل مع الفيلم الذى كان فى بداية سباق الجوائز الكبرى بنهاية العام الماضى ٢٠٢٤، من أوائل الأفلام المرشحة للجوائز وأشرس المتنافسين.

وانتزعت «مايكى ماديسون» جائزة أفضل ممثلة محققة مفاجأة كبيرة بفوزها عن دورها فى «Anora»، وتفوقت «ماديسون» على ديمى مور التى كانت المرشحة الأوفر حظًا عن فيلمها «The Substance»، والذى نالت عنه عدة جوائز مؤخرًا منها «جولدن جلوب».

وفازت بطلة فيلم Emilia Pérez زوى سالدانا بجائزة أفضل ممثلة مساعدة، عن دور محامية تساعد زعيم عصابة مكسيكيًا، الذى جسدته زميلتها «جاسكون»، بتزوير وفاته والتحول من رجل إلى امرأة.

ولم يخرج فيلم «Anora» خالى الوفاض، إذ فاز أيضًا بجائزة أفضل اختيار طاقم تمثيلى، وهو أيضًا من أقوى الأفلام التى تخوض سباق الأوسكار المقبل، وليبدو «Anora» حتى الآن الحصان الأسود فى سباق الجوائز السينمائية الكبرى لعام ٢٠٢٥.

من ناحية أخرى فاز كيران كولكين بجائزة أفضل ممثل مساعد عن دوره فى الفيلم الدرامى الفكاهى A Real Pain، كما فاز الفيلم بجائزة أفضل سيناريو أصلى لكاتب السيناريو والمخرج جيسى أيزنبرج، وفاز«Super/ManThe Christopher Reeve Story» بجائزة أفضل فيلم وثائقى، وفاز بجائزة أفضل فيلم رسوم متحركة Wallace and GromitVengeance Most Fowl.

من ناحية أخرى يقترب سباق الأوسكار من نهايته، ويتصدر فيلم «إيميليا بيريز» Emilia Pérez الترشيحات فى هذه الدورة المهمة التى تأتى فى أعقاب حرائق كاليفورنيا وخسائر كبيرة لكثير من مشاهير هوليوود بدمار منازلهم، ومتوقع أن يخصص حفل الأوسكار المقبل لتناول تلك الكارثة وانتهائها وتخصيص قدر من العائدات أو التبرعات لصالح المتضررين، كما حدث فى حفل جوائز جرامى الموسيقية الذى أقيم الشهر الماضى، وتم إطلاق حملة تبرعات جمعت ٧ ملايين دولار فى عدة ساعات لصالح المتضررين وكرم الحفل أيضًا مجموعة من قيادات ورجال الإطفاء ممن قاموا بمهام بطولية لإنقاذ الناجين ودعم الضحايا.

وينافس فيلم «إيميليا بيريز» بحصوله على ١٣ ترشيحًا، ليصبح أكثر الأفلام الناطقة بغير الإنجليزية ترشيحًا على الإطلاق. وينافس الفيلم فى الفئات الرئيسية مثل أفضل فيلم وأفضل مخرج وأفضل ممثلة، بالإضافة إلى جائزة أفضل فيلم دولى، ممثلًا فرنسا.

وينافس «إيميليا بيريز» على جوائز الأوسكار وأهمها أفضل فيلم، مع أفلام منها «Anora»، و«The Brutalist» و«A Complete Unknown»، و«Conclave»، وDunePart Two»، و«Emilia Pérez»،و«Im Still Here» و«Nickel Boys»، و«The Substance»و«Wicked».

وسيتم بث حفل الاوسكار المرتقب على الهواء مباشرة على قناة ABC، كما سيتم بثه مباشرة على Hulu ويتم بثه مباشرة فى أكثر من ٢٠٠ منطقة حول العالم.

 

المصري اليوم في

19.02.2025

 
 
 
 
 

برادى كوربيت مخرج فيلم The Brutalist: لم أتقاضى أي أموال من أرباح العمل

لميس محمد

كشف برادي كوربيت، مخرج فيلم The Brutalist، في مقابلة جديدة أنه لم يجنِ أي أموال من الفيلم الذي نال استحسان النقاد، وفقا للتقرير الذى نشر على موقع "nme".

كان فيلم The Brutalist، الذي وصل إلى دور السينما الشهر الماضي، يكتسح دائرة الجوائز هذا العام، وفاز مؤخرًا بالعديد من الجوائز بما في ذلك أفضل مخرج وأفضل ممثل في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون "البافتا".

كما رشح الفيلم الملحمي The Brutalist للفوز بجائزة أفضل فيلم في حفل توزيع جوائز الأوسكار الشهر المقبل، ومع ذلك، على الرغم من استحسان الفيلم ونجاحه، يبدو أن الفيلم لم يحقق أي أموال لصانعي الأفلام.

في أحدث مقابلة أجراها أشار كوربيت أن فيلم The Brutalist - وفيلمه السابق Vox Lux لعام 2018 - جعلاه وزوجته وشريكته الإبداعية مونا فاستفولد "دون أموال"، مضيفًا أنه "أخرج مؤخرًا ثلاثة إعلانات في البرتغال" والتي تمثل "المرة الأولى التي أربح فيها أي أموال منذ سنوات".

عندما سأله المضيف مارك مارون عما إذا كان يتحدث مجازيًا، أكد كوربيت ادعاءاته قائلا: " كان علينا أن نعيش على راتب من ثلاث سنوات مضت".

 

####

 

قائمة جديدة لمقدمى حفل الأوسكار.. تعرف عليها

لميس محمد

كشف القائمون على جائزة الأوسكار عن أسماء مجموعة جديدة من النجوم الذين سيقدمون حفل الجوائز، الذى سيقام فى 2 مارس المقبل، وجاءت الأسماء كالتالى: ويليم دافو، آنا دى أرماس، ليلي-روز ديب، سيلينا جوميز، جولدى هون، كونى نيلسن، بن ستيلر، أوبرا وينفرى، جو ألوين، ستيرلينج ك. براون.

كما أعلنت أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة "الأوسكار" أن الحفل الـ97 لن يتضمن عروضا حية للأغاني المرشحة لجوائز الأوسكار، بسبب حرائق لوس أنجلوس.

في السابق تم أداء كل أغنية مرشحة على خشبة المسرح أثناء البث التليفزيوني، لكن هذا العام سوف تبتعد فئة أفضل أغنية أصلية عن العروض الحية وستركز على مؤلفي الأغاني.

وتضمنت رسالة الأكاديمة: "سنحتفل بفنونهم من خلال تأملات شخصية من الفرق التي تجلب هذه الأغاني إلى الحياة، كل هذا وأكثر من ذلك، سيكشف عن القصص والإلهام وراء المرشحين لهذا العام".

وذلك بعدما كشفت أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة عن عدة تغيرات في جدولها، وذلك بسبب حرائق الغابات، حيث تم تمديد فترة التصويت على ترشيحات الأوسكار حتى يوم 17 يناير، بينما يتم الإعلان عن الترشيحات النهائية يوم 23 يناير.

وألغت الأكاديمية حفل الغداء السنوي الذي يقام للمرشحين للجوائز، والذي كان من المقرر عقده يوم 10 فبراير، على أن يقام حفل توزيع الجوائز يوم 2 مارس المقبل، مع التنويه على أن جميع التواريخ قابلة للتغير بسبب الأحداث المتلاحقة.

 

اليوم السابع المصرية في

19.02.2025

 
 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك © 2004