الفائزون بجوائز «بافتا»... دليل الجمهور إلى أفضل أفلام
السنة
«كونكليف»
و«ذا بروتاليست» يستحوذان على حصة الأسد... وأفلامٌ أخرى تحقق مفاجآت
بيروت: كريستين
حبيب
نادراً ما تضرب احتفاليّة الـ«بافتا» موعداً مع البهرجة، أو
مع الخطابات الرنّانة أو المواقف الخارجة عن المألوف، أكان على المسرح أم
على السجّادة الحمراء. إذ تصبّ جوائز الأكاديمية البريطانية للفنون
السينمائية والتلفزيونية تركيزها على محتوى المادة السينمائية، والتي تشكّل
مؤشِراً إلى جوائز الأوسكار.
قبل أسبوعَين من الحدث السينمائي العالمي الأبرز والذي
تستضيفه هوليوود في 2 مارس (آذار)، اختارت بريطانيا أعمالها السينمائية
المفضّلة. خاض 42 فيلماً المنافسة، ليخرج اثنان منها متوّجَين بـ4 جوائز
لكلٍ منهما. منحت الأكاديمية إجماعها لـ«كونكليف» (المجمع المقدَّس) ولـ«ذا
بروتاليست» (الوحشي)، والاثنان من العيار السينمائي الثقيل.
كونكليف... داخل دهاليز الفاتيكان
في لفتةٍ خاصة إلى السينما البريطانية، حصد «كونكليف»
جائزتَي أفضل فيلم وأفضل فيلم بريطاني، إلى جانب «بافتا» أفضل مونتاج
وسيناريو مقتبس. ولدى تسلّمه الجائزة محاطاً بفريقه، تحدّث المخرج إدوارد
بيرجر عن «المؤسسات التي من المفترض أن تجمع بين الناس إلا أنها تفرّقهم».
وفي هذه الكلمة لمحةٌ مختصرة جداً عمَّا ينتظر مشاهدي «كونكليف»، من جرأةٍ
في التعامل مع أحد أكثر المواضيع حساسيةً وغموضاً.
تدخل عدسة بيرجر إلى دهاليز الفاتيكان لتصوّر لحظةً تاريخية
تغيب عنها الكاميرات في العادة. يقف الكاردينال لورنس على مفترق طرقٍ قد
يأخذه إلى البابويّة، بعد الوفاة المفاجئة لرأس الكنيسة الكاثوليكية. يكتشف
لورنس أن الاستحقاق الكنسيّ ليس بالبساطة التي كان يظنّها. يقول في مشهدٍ
لأحد زملائه الكرادلة: «إنه مجمع مقدّس، وليس حرباً»، ليجيبه الآخر: «بلى،
إنها حرب».
ليس لورنس المرشّح الوحيد إلى منصب بابا روما، فحوله
منافسون يحمل كلٌ منهم طموحاً ومخططاً مختلفاً. وفيما تجول الكاميرا بين
ردهات الفاتيكان الرخاميّة المبهرة والأشبه بالأنفاق المسكونة بالأسرار،
يتأرجح لورنس بين الإيمان والشكّ. يُضاف إلى قلقه الروحيّ، انطباعٌ بأنّ
مؤامرةً ينخرها الفساد تدور في أروقة المجمع المقدّس، وقد يكون بعض
الكرادلة المرشّحين متورطين فيها.
يقدّم الممثل رالف فاينز أحد أفضل أدواره بشخصية الكاردينال
لورنس، موظّفاً كل ما منحته الموهبة والخبرة من تعابير جسمانية ليترجم صراع
لورنس الداخلي.
يبلغ الفيلم إحدى ذرواته في مشهد الاقتراع لاختيار بابا
الفاتيكان المقبل، مع العلم بأن معظم التصوير جرى في استوديوهات ضخمة في
إيطاليا، إضافةً إلى مجموعة من قصور روما التاريخية.
لطالما شكَّلت أسرار الفاتيكان مادة سينمائية مُغرية، وقد
أثبتت ذلك أفلام مثل
Habemus Papam
(لدينا بابا) وThe
Two Popes
(الباباوان). إلا أنّ «كونكليف» هو علامةٌ فارقة، أبدعت فيه عدسة بيرجر
محوِّلة المَشاهد إلى لوحات، وفريق الممثلين إلى «أوركسترا»، وفق وصف
المخرج خلال ليلة «البافتا».
ذا بروتاليست... 200 دقيقة إبداع
الفيلم الذي وازى «كونكليف» أهميةً في ليلة الـ«بافتا» هو
«ذا بروتاليست». فاز العمل ذو الإنتاج الأميركي والبريطاني والمجري
المشترك، بـ4 جوائز هي: أفضل إخراج لبرادي كوربيت، وأفضل ممثل لأدريان
برودي، وأفضل تصوير سينمائي، وأفضل موسيقى تصويرية.
تمتدُّ هذه الدراما التاريخية على مدى 3 ثلاث ساعات و20
دقيقة، من دون أن تصيب المُشاهد بالملل. تدور الأحداث بعد سنوات قليلة من
نهاية الحرب العالمية الثانية، وتعالج قضية الهجرة الأوروبية إلى الولايات
المتحدة الأميركية.
في قلب الحكاية «لازلو توث»، المهندس المجري اليهودي الذي
نجا من الإبادة النازية، ولم يجد طريقاً سوى «الحلم الأميركي». لكن على
الأرض الموعودة، ليست الأحلام ورديةً كما في الخيال. يواجه لازلو كل أنواع
التناقضات. هو اللاجئ الفقير إنما الموهوب والذي عليه أن يثبت نفسه وسط
بيئةٍ غير صديقة بالضرورة.
رغم الوحدة والتشرّد والإدمان، يعيد لازلو بناء نفسه بقوّة
الطموح. إلا أنّ ذلك لا يحصل من دون رعاية أحد الأثرياء الأميركيين، الذي
يلمس فنَّ لازلو في الهندسة المعمارية، لكنه يتعامل معه بعنف وفوقيّة
وعنصريّة وغيرة.
متخطياً إبداعه في
The Pianist
(عازف البيانو) والذي فاز عنه بأوسكار عام 2003، يقدّم أدريان برودي أداءً
آسراً في شخصية لازلو. يبدو الممثل الأميركي الحامل جذوراً بولنديّة
يهوديّة في قمة الإقناع ضمن هذه الأدوار، وهو استحقّ «البافتا» عن جدارة
لفرط ما وظّف من شراسةٍ وشغف في تجسيد الدور.
إضافةً إلى الأداء التمثيلي المميَّز والعمق السردي، يقدِّم
«ذا بروتاليست» نموذجاً استثنائياً في رواية قصةٍ طويلة ومعقَّدة من دون
تعريض العين للملل. فرغم دسامة المواضيع، من الهجرة إلى الصراع الطبقي
مروراً بمعاداة الساميّة، يعبر الفيلم بسلاسة ووضوح. يبدو وكأنه مقتبس من
قصة واقعية، بينما الحقيقة أنه من كتابة المخرج برادي كروبيت والكاتبة منى
فاستفولد.
«أنورا»...
مفاجأة البافتا
من مفاجآت أمسية البافتا، فوز مايكي ماديسون بجائزة أفضل
ممثلة عن دورها في فيلم «أنورا». وهو الفيلم ذو موضوع جريء، قد نال السعفة
الذهبية في مهرجان كان وحصد إعجاب النقّاد. أما الممثلة الأميركية فتؤدّي
فيه شخصية «أنورا» أو «أني»، وهي بائعة هوى ترتبط بشابٍ روسيّ ثريّ، يعرض
عليها الزواج مقابل حصوله على الإقامة في الولايات المتحدة.
عودة «والاس وغروميت»
لكل جمهورٍ حصته في «البافتا»، وقد حصد جائزتي أفضل فيلم
رسوم متحرّكة وأفضل فيلم للأطفال والعائلة، الجزء السادس من سلسلة «والاس
وغروميت»، والعائد بعد 16 سنة من الغياب.
في الكلمة التي ألقاها عقب تسلمه الجائزة، لفت المخرج مرلين
كروسينغهام إلى أنّ الجمهور الأميركي يبدو متحمّساً للفيلم، رغم أن «والاس
وغروميت» من صلب الثقافة البريطانية. فإن الفيلم ذا الإنتاج المشترك بين
«بي بي سي» و«نتفليكس»، سلك طريقه في الولايات المتحدة.
يبتكر المخترع والاس روبوتاً على هيئة قزم ويبدأ في
استخدامه للقيام بأعمال في حدائق الجيران. لا يروق الأمر للكلب الوفيّ
غروميت، القلق من اتّكال صاحبه والاس على التكنولوجيا. تتعقّد الحبكة عندما
يدخل البطريق الشرير «فيثرز» على الخط، ليأخذ ثأره من والاس وغروميت بعد أن
تسبّبا بسَجنه سابقاً.
كما سائر أفلام هذه السلسلة، ليس العمل موجَّهاً للأطفال
فحسب، بل هو يحاكي البالغين كذلك. يتطرّق إلى جدليّة التكنولوجيا والذكاء
الاصطناعي، من دون أن يخسر شيئاً من فكاهته المعتادة. هذا على مستوى
المضمون، أما شكلاً فيقدّم الفيلم قفزة نوعيّة من خلال شخصياته وعناصره
البصريّة الثلاثية الأبعاد، التي يشعر المُشاهد وكأنه يلمسها بيدَيه.
من بين نجوم «بافتا» هذه السنة، الممثل الأميركي كيران
كالكن الذي نال جائزة أفضل ممثل بدور مساعد عن فيلم «ألم حقيقي»
(A Real Pain).
وقد فاز الفيلم الذي يمزج ما بين الدراما والكوميديا بجائزة أفضل سيناريو
أصلي كذلك.
كما فاز الفيلم الفرنسي الناطق بالإسبانية «إميليا بيريز»
بجائزة أفضل فيلم بلغة أجنبية، وفازت الممثلة زوي سالدانا بـ«بافتا» أفضل
ممثلة في دور مساعد عن هذا الفيلم الموسيقي الذي يتطرق إلى عالم الجريمة. |