زياد الخزاعي

 
سيرة كتابة
 
 
 

كتابة

“Un Prince”

"أمير" للفرنسي بيير كريتون..

الفالوس السينمائيّ

بقلم: زياد الخزاعي/ خاص بـ"سينماتك"

 
 

الشريط السَّادس لخبير البسْتنة والمزارع المحترف والسينمائي الفرنسي بيير كريتون "أمير" (82 د) مُخَالِف بالمعيار الفيلمي، لذا فتصنيفه صعب، أو على أقل تقدير مخاتل. لا ينتمي الى سينما لوطيَّة، أو الى أفلمة جنسيَّة لمجامع "الكوير" أو "الميم" وسردياتها. نصّ حكيم وشديد الحداثة، يربط بين وعي إنسانيّ جسدي مع القوة السَّارية في الطبيعة بسجاياها وطبائعها ومكوناتها. لن يخشى النيَّات المغرضة لمشاهد مبتذل كونه يضع الفالوس شرطاً وجوديَّاً لشخصيات معدودة، تذوب في برّيَّات خلاقة.

*****

الإيروسيَّة علامته بيد أنَّ اليقين المعرفي بالأرض وبيئتها، في مقام أول، هي أكسومات عقائديَّة، تُثبت أنَّ الشَّبق البشريَّ لا نهاية له كونه بديلاً عن الفناء، وواجب لأنه يوكد على توقّد أجسادنا، ومولِّد باعتباره وسيلة بقاء سلالاتنا. التربة صنعتنا، ولها نعود ونضمحلّ فيها، قبل أن تتعجَّل، ضمن نظام لا مثيل في تراتباته ولا رحمته، في مداورة أبداننا وخلاياها وأعضائها الفانية، لتنتج منها لاحقا وببطء ألهي نواميس أخرى في دورة كونية مقدسة وسرمديَّة. البشر أهل رزايا يفسدون حيواتهم على الدَّوام، فيما تستقبلهم الأرض بغفرانها، لإنَّهم كُلّهم ذاهبون نحو تحوّل (أو تقمّص) آخر بمهمات مبهمة وعظيمة التَّواصل. هذا الأخير هو عصب سينمائي شعري في شريط كريتون (1966) حيث تتوالى الاعترافات وأصواتها على المشاهد، لِتُشكّل من نبراتها وخيوطها السَّرديَّة وزخم معلوماتها تصوّرات كينونية للبطل الشاب بيير جوزف (أنتوان بيرُت) ورباطه العائلي مع والدين متكارهين، وعلاقاته المثليَّة مع خُلَّانه، وهم على التَّوالي مدرس علم النبات ألبرتو (فنسان باري) "الذي علمني الحب عبر الولع بالزهور"، وأدريان (بيير بارَي) زوج صاحبة مشتل مزروعات يلتحق فيه كعامل متدرَّب "الذي اِنجذبت اليه شبقيَّاً في الحال، بسبب حرصه على رعاية غرساته وبيوتها الزجاجيَّة"، وأخيراً الابن بالتَّبنّي لمديرة مدرسة البسْتنة التي يدرس فيها المدعو كوتا (شيمان دانجي)، والاسم يعود باللغة المالايالامية الى نبتة نادرة من عائلة الصَّفصاف، الذي يُمهّد له طرائق الاكتشاف الفنطازي الى معاني "استثمار الشَّهوة"، حين يريه فالوساً متعدد الرؤوس، يتشبَّه بثعابين الميدوزا، تتحرَّك بإيقاعات سحرية، تُلّمح الى تشابك رغبات البطل الشَّاب سابقاً مع رجال أخرين كبار في السّنّ لكنَّهم ما زالوا عرضة لفورات إيروسية كاسحة، تتفجَّر بين ذكور لّواطيّين وسط جمال زراعيّ فاتن، عابر للأزمان والذكريات والولاءات والطوبوغرافيات.

*****

بفطنة عالية، لن يُصوّر كريتون (بمساعدة كُلّ من ليو جيل مينا وبيير سودرَ) أيَّ مناكحة ذكوريَّة علنيَّة، أو يرمي بعجالة على شاشته أفعالها أووضعياتها أوشهوانياتها أو حشد أجسادها، إنَّما يتريَّث طويلاً وعبر تركيبات مشهدية هجينة ذات طابع أقرب الى مسرحة توثيقيَّة، يؤدي أبطالها وفصولها بفطرة محببة ولافتة ثلَّة من أصدقاء المخرج وأقربائه، يستعرض عبرها محيطاً باهراً، يغمر حيوات البطل والشخصيَّات القليلة من حوله بسكينة رعويَّة، تقودهم الى معاشرات، نسمع عنها ولا نراها. نلمح بوادرها سواء كبوسات متبادلة واحتضانات من دون أن تذهب الى الفاحشة، ذلك أنَّ نصّ كريتون يضع اهتمامه المركزيّ في إنجاز هندسة دقيقة لـ"تصوُّر سماعي"، يكشف عن أفكار شابّ بشأن هويَّته الجنسية ومستقبله، ورحلته المقبلة نحو شيخوخة حتمية، وموت سفاده من جهة، وعناده الدَّاخلي في استدامة متاعه وجواه من جهة أخرى. كائن يبحث بشكل غير مباشر عن اصطفاء طبيعي في تجمّع أحيائيّ بشري الذي يقابل ـ درامياً ـ نظيره النباتي الشديد التَّوازن الممتدّ في كُلَّ مكان، نعرف سرَّه الوجوديّ في مشهد ختامي لشخصية "الأمير" الآسيويّ وهو يضمحل ويتلاشى ويذوب في عشب يحتضن جسده النحيل، إيذاناً برحيل ينشد شفاعة شخصية. موت فلسفي يخطف أيضا كلاً من صاحبة المشتل ومربي النحل، ويتم تصويرهما كبدنين مستلقيين من دون حراك، ويمثّلان وفاة وجيزة، لأنَّنا نلتقي بهم جميعا في مشهد نهائي شديد العفويَّة حول مائدة، يتناوبون على تقليد أصوات حيوانات المَفَازة الشَّاسعة.

تكمُن رؤيا فيلم "أمير" في بحث مرئيّ عن تَّمايز كوني وضَّامن لآليَّة تطورنا ككائنات حيّوية، وهواجسها في تكاثر وبقاء وتمازج وتآلف. يقاربها نصّ مخرج "صيف جميل" (2019) بوفرة من مسارد صوتية خارجية، أولها تقدمة السيدة فرانسواز لشخصيَّة الشاب كوتا "الحسَّاس والمليح الذي لا يشكو، والحامل للطخة الفقر". يلمّح كلامها الى أنَّ المُهجَّر المُتَبَنّى ذا الأصول الهند ـ تبتية وكأنَّه شتلة مزهرة، نُقلت (أو أُجبرت على الاِقتلاع) من أرض غريبة لكي تُغرس في أخرى أكثر لعنة، رغم أنَّ "علامته المدرسية ممتازة، ولا يجد صعوبة تُذكر في تعلّم الفرنسية!"، في إشارة الى سهولة تأقلمه وتقبّله "شروط التحضّر". بعد أربعين عاماً، أصبح هذا الآسيوي الوسيم قطباً طبقيَّاُ في النورماندي الفرنسي، ومالكاً لقصر (شاتو) غريب العوالم، يعود معماره الى عصر النهضة، تحرس جدرانه المتهالكة وأثاثه الباهتة سرَّه العجائبي الذي يتفجَّر أمام دهشة بيير جوزف العجوز(بيير كريتون)، ويقلب توقُّعاته بشأن رؤاه للفعل الجسديّ وحميميَّاته.

*****

 
 

عبر إلقاء رتيب من الممثل ماثيو أمالريك (بطل "بدلة الغواص والفراشة" (جائزة أفضل ممثل، السيزار 2008)، ومخرج شريط "رحلتنا" (جائزة أفضل أخراج، مهرجان كانّ 2010)، ننصت أيضاً الى اعترافات المعلم ألبرتو الذي يُقدم نفسه ذلك "الصبي الذي يكذب بشكل مكشوف، ويخون بلا ندم لكن رغباته المحتدمة لا تفتأ تعذبه"، والتي تقوده نحو البطل الشاب ومساعدته في تطوير مهنته كبستانيّ، قبل الوقوع معاً في "طعم الخطيئة". يشهد هذا الفصل الطويل تقاطع شهادتيهما كُلّاً حسب خطه الدرامي. ينصب كلام ألبرتو على رِفْعَة مقامه كأكاديمي ورجل ثقافة، يُرشِد تلميذه الى التَّرانيم الرُّوحيَّة للرومانسي الألماني نوفاليس (1772 ـ 1801)، ويمارس عليه أبوة ملتبسة عبر تقويم رسوماته لورود، تتماهى خطوطها مع أشكال أعضاء تَّناسليَّة ذُّكوريَّة، قبل أن يذعن الى رغبة بيير جوزف في سفرهما الى الهند وتصوير فيلم وثائقي عنوانه "ذكريات حديقة"، حول جهودهما في دراسة وجمع معلومات لأنواع فريدة من الزهور، وكذلك التّعرف على قاطني شعاب الهمالايا وثقافاتهم وأساليب معيشتهم وتكافلهم البيئي، وهي مغامرة تستنفر كوتا، حين جرى عرضها في مدرسة البسْتنة، كونها مسَّاً بهويَّته وسرها!. على طَّرف آخر، نسمع مكاشفات البطل (بصوت الممثل غريغوري غيدبوا) عن حياة غير سويَّة لأمّ مدمنة، تمارس عنفاً ضدّ زوج/ أب سيء الطالع (نراها في لقطة متوسطة جالسة أمام صفّ من بنادق صيد وزجاجة ويسكي!). نعلم أنَّ بيير جوزف الذي "يرتعب من مشاهد ذبح الأرانب البرّيَّة" هو نتاج فوضى أسرية، تجعله سريع الشَّغف بأيّ رجل، يجد أنَّ فالوسه مثاليّ، وأنَّ "طعم نُطفته مثل جوز الزَّان". هذه الخيارات لا تجعل منه شخصاً ناقصاً أو مختلاً أو منحلاً، بل تثبت أنَّ تطوره ـ على خلاف نباتات الطبيعة ودقَّة نموها ـ تمَّ كسره بحدَّة ولؤم، ما يبرّر عزلته وفساد ماضيه، والى حدّ ما سذاجته الريفيَّة التي تتكامل لاحقا مع نظيرتها لدى الأمير الآسيوي كوتا. هذا الأخير، لن يتفوَّه بكلمة واحدة رغم مركزية شخصيَّته، لِأنّه في الواقع "وعد شرقي" يملك خبيئة جسديَّة لا مثيل الى فتنتها وشدَّة إيروتيكيتها.

نرى العجوز الأبيض الفرنسيّ عارياً ولائباً أمام مدفأة مشتعلة بنار كبيرة تُشيع دفئاً مطلوباً، ونافذة كبيرة تكشف عن بدر منير تحرسه غيوم خفيفة، لا تمنع سحر ضيائه من الوصول الى لحيته الكثَّة، كما لو أنَّ المخرج كريتون يتفكَّه على المشهديات الباذخة لمسلسل "لعبة العروش" (2011 ـ 2019)، التي يعترف الأمير الآسيوي إنه مدمن على متابعة  جميع حلقاته الـ73!. ولئن أحتشد هذا العمل التلفزيونيّ الذائع الصيت بشخصيات خيالية تحديداً، فما الضَّير أن يكشف كوتا عن "عرشه" المكون من "سيوف" تنبض بها الحياة، هي في الواقع سبعة روؤس عظيمة الحجم لسبعة قضبان ذكوريَّة، تتراقص بهياج فاجر وسوريالي بين فخذيه، وتحوّله جنّياً وافداً، يرفع المُحرم ويرتكب الشَّهوة الخفية ولذاتها في أرياف النورماندي البهيّة.

*****

اِستعار كريتون، ومعه مسؤول المونتاج فيليكس ريم، أمارة خالصة بالسينما: الزَّمن، موظفاً عبره حالة نادرة من تباعد سردي بين محيط وحيّز وشخصيَّات أربع وحكاياتها ومفاهيمها وأزمانها. في مشهد افتتاحيّ سريع نكون في التبت عبر لقطات فيديو سيئة التَّوضيب لجبال جرداء، وفجأة ننتقل الى ريف ساحلي أوروبي مقنَّن بشاشة عريضة، وصوَّت سيدة تقصّ "رؤيتها". المقارنة حتمية لكن ما يجعلها غير سويَّة يكمن في أنَّ حجم لقطاتها ونوعيَّتها وتركيبها لن تُفهم مغازيها إلَّا في مقاطع متأخرة من الشريط، حين يصبح الرجل الآسيوي بمثابة إشارة ضمنيَّة لـ"معضلة" مشاهد فيديو آخر، نعرف أنَّ ألبرتو هو من بادر في صنعهما، قبل (وبعد) علاقته الشاذة مع بيير جوزف التي تقود البطل تالياً، وهو في منتصف عمره، الى عرين كوتا والاِنبهار بفالوس متعدد الكَمَر.

نموذج آخر أكثر راديكاليَّة فيزيائيَّاً، هو ما ظهر في مشهدين سحريَّين، نرى في الأول البطل مُشاركاً الفراش مع خليله مينو (أوليفير شوفال)، ثمَّ ينهض عارياً ويغادر الغرفة، ليدخل بغتة في مكان مختلف، ويرقد الى جنب معلمه ويتدثر بشرشفه! في الثاني، نشاهد سريراً واسعاً يضم كُلّ من المدرس وزميله مدير المشتل والمتدرّب الشاب وهم راقدون عراة في ظهيرة صيف، قبل أن ينهض الأخير ويترك المشهد الثابت، لكن على حين غرَّة يعود رجل خمسينيّ ليستلقي في مكانه، وسيحتاج المشاهد الى لقطات جديدة وصوَّت معلق، ليتنبه الى أنَّ الرجل العائد لم يكن سوى البطل، وقد نالت منه شيخوخة لم تقض على بلوى ميوله!.

هذا الأسلوب التَّدميريّ وقفزاته الزَّمنيَّة البتّارة أثرا بشكل حاسم على الوصف البصريّ للفيلم الهجين، مثلما شحناه بقدرة خفيَّة على كسر منولوغاته العديدة التي شكلت بناءه الحكائيّ، ما جعله أقرب الى أحلام مفتتة أو صورة/ زمن متشظية (في اِستعارة لفكرة جيل دولوز). أنَّ حدس الأشياء حول كائنات كريتون، تصيبها لعنة غموض شعري لا مكان فيه لسياسة أو محازبة نيوليبراليين أو قوانين حشمة دينية ـ مجتمعية أو شرطة أخلاق أو موظفين حكوميين عصابيين، بل وتمَّ إغفال أيّ إشارة الى  ملامح دولة عميقة ما، مثلما توارت أذرُع سطواتها بشكل لافت واستفزازيّ. عليه، ففيلم "أمير" غارق في أنانية سينمائيَّة ومكانيَّة، حولتا ذلك الكُفر الرّيفيّ الأوروبي الى "كمونة مثليّين"، تحرسها قوى لا مرئية، تضمَّن لهفة ذكورها الدَّائمة للباءَة، كما هو حال دأبهم في حماية الأرض ومراقبة ما تُنْبِته من حولهم. هؤلاء الذكرَان، جزء لا يمكن إنكاره أو محقه أو شطبه من كون ينمو ويتزاحم ويتعادى ويتنافس ويتمايز ويتفرَّق ويُشيطن... ورغم ذلك عليه الخضوع الى قداسات تنظّم النزوات وتضبط محاورها وتعدّياتها، وما عليهم سوى التمسك باِستدامة طبيعة يساكنون مكرماتها.

سينماتك في ـ  17 أبريل 2024

 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك © 2004