زياد الخزاعي

 
سيرة كتابة
 
 
 

كتابة

6 أفلام عن أحوال البشر والرزايا التي تنهش أرواحهم

بقلم: زياد الخزاعي

 
 
 
 
 
     
     
 
 
 
 
 

زياد الخزاعي يكتب عن أفلام الجونة السينمائي

 
 
 

"هوليوود غيت" للمصري الألماني إبراهيم نشأت... حين يفرون القتلة!

(Hollywood Gate)

كُلّ فصل في شريط "هوليوود غيت" (بوابة هوليوود) (92 د)، الذي يستعير أسم قاعدة عسكرية أميركية محصنة، يعتقد إنها كانت مركزاً للمخابرات المركزية الأميركية (سي آي أي) في أفغانستان، هو إثبات حقيقة قطعية قوامها أن الدولة الميليشياوية تقوم على مبدأ واحد هو ديمومة الإحتراب والموت. العسكرة لديها هي أسلوب حياة، والمواطن العادي هو خصم حين لا يُظهر ولاء مطلقاً. إنها مبدأ حكم يؤمن إن المجتمع بأطيافه يخدم قواتها التي قاتلت بشراسة، وإنتصرت على عدو قيل إنه لا يُقهر. هذه الـ"لا" نراها مهزومة عبر كاميرة محمولة وعصابية ومتلصلصة مع توليف تراكمي، وهما يوثقان غنائم عسكرية ثمينة من معدات متطورة، تركتها قوات الغزو بعيد إنسحاب سريع وفوضوي من قواعدها في يوم 31 أغسطس 2021. يرافق الفيلم، عبر فصول أقرب الى يوميات سينمائية مباشرة ونابضة بالحيوية، نشاط مسؤول نافذ في حركة "طالبان"، مكلف بإعادة إحياء قوات جوية، عبر تأهيل أسطول من طائرات أميركية معطوبة، لكنها قابلة الى التصليح والإستخدام. المفارقة هنا، إن الألة بحاجة الى بشر وكفاءات، وهو ما يقوم به الرجل بكثير من الصبر، ووفرة من الحكمة، منظماً جلسات تقديم براءة شخصية وضمانات حكومية لطيارين أفغان سابقين. لن يصور نشأت معارك أو مواجهات أوإعدامات أو تفجيرات، إنما يصوغ ـ بفطنة شديدة البساطة ـ مشهدية عامة للكيفية الشبه العفوية لقيادات قاتلت في الجبال والكهوف، لكنها عازمة على التحول الى جيش نظامي بمهمات قتالية مستقبلية لدحر "وحوش يصرفون أيامهم في محاولة تدمير كل شيء" حسب مولوي. يختار نشأت، بسبب ظروف أمنية خطيرة وحساسة، أن "يُسقط" من حساباته إجراء أيّ حوار مع قيادات رافقها عن كثب، ووثق أقوالها وتصريحاتها وخطبها، كاشفاً عن ما لم يتغير في إستراتيجياتها وبالذات مع عودة دولة الخلافة الى الهيمنة، بشأن موقعها في المنظومة العالمية، وتعاطيها مع القوانين الدولية، وتأمين الحريات المدنية، وتعليم المرأة والحجاب والشريعة والعقاب وغيرها، وهي أمور جوهرية أتاحت الى الشريط إمتلاك حجج مرئية بشأن سطوة نظام ثيوقراطي وإستبداده وولعه في تنظيم الصفوف من أجل الإقتتال والقتل. فيلم نشأت مغاير، لإنه إمتلك جسارته في الإقتراب من صناع قرارات إطلاق حروب لن تنقطع، وتعميم جور لن يستكفي من دم إبرياء.

*****

إبراهيم نشأت،

 Ibrahim Nasha’at

مخرج أفلام وثائقية ومصور ومونتير من مصر، يقيم في برلين. درس الصيدلة، قبل أن يجد إهتمامه في الصحافة خلال ثورة يناير 2011. عمل في مؤسسات اعلامية عربية وقنوات ومنصات ألكترونية دولية. حاصل على درجة الماجستير في صناعة الأفلام الوثائقية من مدرسة "مَت فيلم" الألمانية. شارك في مونتاج شريط "تحت سماء دمشق" للثلاثي السوري طلال ديركي وهبة خالد وعلي وجيه، الذي عرض لأول مرة في خانة "بانوراما" في مهرجان برلين (2023)، وفاز بجائزة الإسكندر الذهبي في مهرجان "سالونيك دوك 25"، وترشح لاحقا الى جوائز "الأوسكار" الأميركية. أخرج نشأت العديد من الأفلام القصيرة التي شاركت في مهرجانات سينمائية دولية. "هوليوود غيت" باكورته الوثائقية الطويلة، وعرضت عالمياً في الدورة الـ80 لمهرجان البندقية السينمائي خارج المسابقة الرسمية.

*****

 

"من عبدول الى ليلى" للعراقيفرانكونية ليلى البياتي... دمي بغدادي

(From Abdul to Leila)

"أنا أفضل الغناء على الكلام"، تقول ليلى، فيغرق مشاهد شريطها الطويل الثاني (92 د) في تجليات موسيقية لا تنقطع إلا قليلاً، مضيفة حميمية عارمة وحزن متراكب بين حكاية والد عراقي وبعثي سابق، وجد نفسه في منفى نهائي، متحصناً مع زوجة وبنات في عمق الجنوب الفرنسي، وبين يوميات ابنة موهوبة تعيش هاجساً ضميرياً وثقافياً بشأن هويتها وجذورها، وتنال منها خشية داخلية بفقدان حنوها على رجل غارق بمأساة وطن بعيد عصفت به حروب غادرة وحصارات مجرمة، أغرقته لاحقا بموت مجاني وفساد عام. هذا نصّ ديناميكي وتأويلي، تتداخل فيه إبداعات متعددة، تحول حكايته الى مانيفستو سينمائي عن الحقيقي والزائف، وعن الإختيار والرغبة، وعن الماضي والآني الجديد، عن الهجرات والإندماج. يشير العنوان الى أرث حزين ومقلق وكسير، تداويه المخرجة بوفرة من إحساس غنائي لكلمات كتبها والدها، ووجدت نفسها تتعلم اللغة العربية لفهمها ونطقها ولاحقا موسقتها بروح أوبرالية وتروبادورية ريفية. يستدعي نصّ البياتي ما هو شخصي متمثل بتفاصيل حادثة سير خطيرة، تفقدها ذاكرتها وتغرقها في صدمة طويلة وعنيفة، وآخر موضوعي يداخل حكاية العراق بجراح منطقة تشهد ويلات متتابعة. حين تقع الهجمات الإرهابية بباريس في عام 2015، تكون ليلى الإنسانة والمؤلفة الموسيقية والرسامة التشكيلية أقرب الى حد انقلابي، يدفعها من جهة الى العودة الى أصولها، والتعرف على منطقة أجدادها وجغرافيتها السياسية، ومن أخرى امتحان ثقافتها المزدوجة الذي يمهد الى لقائها بناس عاديين ومعايشة حيواتهم وسماع قصصهم في ثلاثة مواقع هي موطنها فرنسا والقاهرة وبرلين. شريط البياتي هو تركيب لغة مرئية حرة، فيها فيوض من لوحاتها وصورها ومقاطع عائلية قديمة وتوليف جارح لتأريخ دموي، وأيضا توثيق وجداني لأبوين نالت منهما ذكريات وأسى، تحاول ليلى بعناد الوصول عبر فنونها الى تطهير سينمائي سنشاهده في لقطة أخيرة، وهي سائرة عند أحد كباري القاهرة، مصحوبة بأغنية تقول كلماتها: "أنا حرة. دمي بغدادي. أنا جمرة. أسأل أجدادي". تختار ليلى هنا أن تُلغي منفاها الذاتي، وأن ترفع صوتها من دون خوف، معلنة توصلها الى قناعة قطعية بلا رثاءات أو إلغاءات أو إدانات، وتقول بحسم: "بدأت أفهم".

*****

ليلى البياتي،

Leila Al Bayaty

مغنية ومؤلفة موسيقية ومخرجة سينمائية وكاتبة سيناريو وممثلة فرنسية من أصول عراقية، تقيم بين بروكسل وبرلين. "فو" (25 د) هو أول فيلم قصير  لها، ساهمت في إخراجه وتمثيله وتأليف موسيقاه التصويرية، وعرض في مهرجان برلين السينمائي (2009)، حيث حصل على تنويه خاص من لجنة التحكيم. في عام 2012، أنجزت باكورتها الطويلة "برلين تيليجرام" (80 د) حول علاقة حب مقطوعة، وشاركت بها في أكثر من 30 مهرجاناً عربياً وعالمياً، وحازت على جائزة "تي في 5" لأفضل فيلم فرنكوفوني في مهرجان جنيف السينمائي، وجائزة أفضل تصوير سينمائي في أشتونغ برلين. تبعته بفيلمها الوثائقي "الوجه ب" (39 د) عن كواليس تسجيل موسيقى الفيلم الروائي السابق، وعرض في خانة "فوروم أكسباندد" في مهرجان برلين (2015).

*****

 

"ماي ديسمبر" للأميركي تود هاينز...مزاحمة برغمان

(May December)

امرأتان تلتقيان على موعد غريب واستفزازي، يستلهم روح شريط المعلم إنغمار برغمان "برسونا" (1966). ممثلة تلفزيونية شابة (ناتالي بورتمان) تخترق عالماً عائلياً، من أجل إجراء "معايشة حقيقية" ليوميات سيدة وأم أربعينية تدعى غريسي (جوليان مور)، ضمن استعداداتها لتجسيد شخصيتها لاحقا في فيلم مرتقب. تتمتع الأخيرة بصيت إعلامي تكفلت به صحف النميمة التي تابعت حياتها وزيجتها من شاب ذي أصول آسيوية وحياتها مع أطفالهما الذين يرفلون بمستوى طبقي منعَّم في مدينة سافانا بولاية جورجيا الساحلية. كلّ ما يتعلق بهذه الكومونة القائمة على هموم وفرة غذائية وأمان اقتصادي وانتماء سياسي محافظ وتربية متفتحة، متاحة للجميع عبر فضائح غريسي، الموظفة السابقة في محل العناية بالحيوانات الأليفة، التي قادتها الى السجن وهي حامل من علاقة محرمة مع مراهق ستتزوجه لاحقا، قبل أن تجد نفسها "نجمة" في وسط اجتماعي مريض بالطعون والإغتياب والخزي. ينجز المخرج تود هاينز رؤية سينمائية معمقة لآفة أخلاقية لا ترحم، مستخدماً شخصية الممثلة وسيلة مراقبة ثاقبة لعقيدة أميركية مولعة الى حد المرض بمثالب الآخرين والتعرض لأسرارهم، متجاهلة حجم التدمير الذاتي الذي يصيب العرق العائلي وتوازناته، وهو ما تتوصل اليه الشابة أليزابيث حين تكتشف الفصم الفردي لكل واحد منهم، ومحاولات ربة بيت معقدة وعصرية وغامضة، في إخفاء عداوات محتدمة تحت طبائع غليظة ومتنمرة وعديمة الإحساس. يصبح دفتر الملاحظات الصغير الذي تحمله الممثلة إشارات إنذار لمفاجأة قاسية، ذلك إن مدوناتها التي لا نراها، تتفجر على شكل أسئلة واستفسارات ومقابلات وجلسات بوح، تتطور الى مزاحمات كلامية ومناظرات وتصحيح وجهات نظر، تمهد للممثلة الشابة السبيل الى أن تنخرط في دور بديل عما جاءت من أجله، عماده محاولتها في التوصل الى قلب أزمة خفية وتفاصيلها ودوافعها التي تجعل من غريسي أقرب الى وحش مضمر بوجه بشري. يعتمد هاينز ومدير تصويره كريستوفر بلوفيلت على ضياء صيفي باهر، يعم أغلب مشاهد الشريط (113 د)، ويحولانه الى وسيلة تناظر مرئي بين الأنفس المدمرة وظلام سلوكها، ومثلها ريبة الآخرين الغرباء المفتونون بتناقض الدوافع الأمومية لحياة زوجية غير سوية، وبين محيط قاري مشع وديناميكي يحتفي بالمكان والناس، لكنه لا يستأهل بشر من أمثالهم.

*****

تود هاينز،

Todd Haynes

مخرج سينمائي وكاتب سيناريو ومنتج أميركي. ولد في عام 1961، ونشأ في لوس أنجيليس، ودرس الفنون والسيمياء في جامعة براون. أخرج أول أفلامه "الانتحار" (1987) وهو لا يزال طالباً في المدرسة الثانوية. لفت الأنظار لأول مرة من خلال فيلمه القصير المثير للجدل "قصة كارين كاربنتر" (1987)، الذي وثق حياة المغنية الذائعة الصيت وموتها، مستخدماً دمى "باربي" بدلاً من ممثلين حقيقين. أنجز باكورته الروائية "سم" عن مرض الإيدز (الجائزة الكبرى لمهرجان صاندانس السينمائي، 1991)، وتلقى مديحاً نقدياً معتبراً مع فيلمه الثاني "أمان" (1995) حول ربة بيت تعاني من حساسيات كيماوية غريبة. تبعه بـ"فيلفيت غولدماين" (جائزة أفضل مساهمة فنية في مهرجان كانّ، 1998). أما "أبعد من الجنة" (2002) فكرسه واحداً من أهم مخرجي جيله، ووجه عبره تحية الى جهبذ الميلودراما الأميركية روبرت سارك، وتم ترشيحه الى جوائز الأوسكار عامذاك.  من أشرطته "لم أكن متواجداً هناك" (2007)، "كارول" (2015)، "مياه سوداء" (2019).

*****

 
 

"درب غريب" للبرازيلي جوتو بارينته...قداسات القلب العائلي

(A strange Path)

حتى فيروس "كوفيد 19" لم يفلح في قتل إنسانيتنا. كان العامان العسيران على التحمل للجائحة أقرب الى رهان معقد ومنهك ومخرب، مس علاقات البشرية جمعاء. جعلها متوجسة وأنانية وجشعة للبقاء على الحياة، وعلمها فنوناً لمخاتلة الموت، لإن الإنتصار عليه كان لعبة كونية لم تكن في صالح مغدورين كثر. شريط بارينته مفعم بفطنة سينمائية ورؤية متمهلة لتداعيات تلك المحنة المريرة. حكايته البسيطة لن تكون متأخرة أو بالية،على إعتبار أن الجائحة ولت، ذلك أن الفقدان لا زمن له، وليست له هوية مزورة. من هنا يربط هذا الشريط بحكمة بين السينما كفعل تحريضي يوكد على أن النوائب البشرية، من حروب وحتى الجوائح لن تنتهي أبداً، وبين إنتماءاتنا كوحدة ضمير، تجبرنا على إيجاد حصانة دائمة وقوية وأصيلة لعواطفنا ومروءاتنا. هذه الأخيرة هي ما يبحث عنها مخرج الافلام التجريبية الشاب ديفيد (لوكس ليميرا) العائد الى مسقط رأسه في البرازيل، بعد غياب عشر سنوات من العيش والعمل في لشبونة، لعرض فيلمه الأول ضمن فعاليات مهرجان سينمائي محلي، ليجد نفسه "سجين كوفيد" وإغلاقاته التي تدمر خططه، وتقوده الى عتبة دار والده (كارلوس فرانسيسكو) الذي لم يره طوال تلك السنوات، وتحقيق مصالحة واجبة، وإن كانت عبثية وغير متكافئة، مع أب كاتب يعيش عزلة لن تمنعه من إسداء نصائح الى قرائه، تهديهم الى دروب صحيحة لنيل نخوات آخرين وموداتهم. يحاصر الوباء الابن ووالده في مأوى ضيق، سرعان ما يتحول الى ساحة عداء من رجل عجوز حريص على خصوصياته، ضد شاب يفتقد بشدة حنوه. يصبح "كوفيد" شخصية ثالثة تغير تفكير الناس وتصرفاتهم, بيد أن للسينما سحرها النقي الذي تقلب مزاج الأب الحرون، حين يطلب مشاهدة فيلم ابنه.عندها يشعّ وجهه بنور غريب مدركاً، عبر صور سوريالية الطابع لرجل عجوز يحاول مراوغة موته، إن نهايته أصبحت أقرب مما يظن, ويتم تعميد خاتمته لاحقاً بصوت ابنه، وهو يقول عند مثواه: "أي درب غريب قادني اليك يا أبي؟". شريط بارينته (84 د) شبابي وديناميكي وطازج، يعتمد على روح شعرية باذخة الألوان، ودقيقة في توازناتها البصرية (إنجاز لافت من مدير التصوير لينجا إيكاسيو) . نال أربع جوائز في مهرجان "ترايبكا" السينمائي في نيويورك، منها جائزة أفضل فيلم روائي.

*****

جوتو بارينته

Guto Parente

صانع أفلام مستقل، ولد في مدينة فورتاليزا البرازيلية عام 1983. درس السينما في "إسكولا بي أومبليكا دي فورتاليزا". كان عضواً في "ألومبرامينتو"، وهي مؤسسة فنية جماعية تضم فنانين محليين من كل المشارب حتى عام 2016، قبل أن يشارك لاحقا في تأسيس شركة "تاردو فيلمز" التي أنتجت شريطه "درب غريب". قدم العديد من الأفلام القصيرة، من بينها "تقاطع"(2007), و"جوال أزرق" (2009)، و"الطريق إلى إيثاكا" (2010)، و"يقال أن الكلاب ترى الأشياء" (2013)، ليكرس جهوده الفنية لاحقاً في إخراج أشرطته الطويلة مثل: "أميانتو اللطيف" (2013)، و"الموت الغامض لبرولا" (2014)، و"الجحيم الخاص بي" (2018), و"نادي آكلي لحوم البشر" (2018). 

*****

 

"ولا حتى كلمة واحدة" للسلوفينية هانا شلاك... ضد الضنى والجفو

Not a Word (Kein Wort)

دراما عائلية مفعمة بقسوة مبطنة، تستكشف فروقاً حساسة في علاقة أم وابنها، حين يصبح هذا الأخير ضحية شكوكها في تورطه ـ بشكل أو أخر ـ بموت زميلة له في المدرسة. يتعاظم هذا الخط العام في محتواه النفسي مع مقاربة مفهوم الإلتزام الشخصي للوالدين، وعواقب صمت يحيط بحادث عنيف. نينا بلاتشك موسيقية ذائعة الصيت، وتقود أوركسترا برلين الفيلهارمونية، تستعد الى تقديم السمفونية الخامسة للموسيقار النمسوي جوستاف ماهلر (1860 ـ 1911). خلال التدريبات يتم اعلامها بإصابة ابنها بعد حادث سقوط مزعوم من نافذة قسمه الدراسي، إدعى إنه في صدد إصلاحها. بين فاجعة موت الصبية الغامض وتنمر الفتى، تُزيح نينا إلتزامها المهني جانباً، وتسافر معه الى بيت العائلة البحري في جزيرة نائية. وسط طبيعة خلاقة وصمت رباني مجيد، يأخذ سوء الفهم بينهما سبيلاً غليظاً، يحول علاقاتهما الى منابزة في المهانة والتسلط والضيق والجَهَامَة الفردية. تجعل المخرجة شلاك من الفضاء الوحشي وعواصفه وهيجان أمواج بحره، وبتصوير فذ من الفرنسية كلير ماتون (لها "سبنسر"، 2021 و"صورة سيدة تشتعل فيها النيران"، 2019) حاضنة مرئية بألوان كابية لحالة إنفصام يعاني منها الصبي، بسبب عدم تصالحه الداخلي مع طلاق والديه، ما يُفشل محاولات نينا في رأب الصدع الأخلاقي في دواخله، أو معها كقيمة أمومية وتربوية. يبدو لارس في عزلته أقرب الى كائن ميت، لذا سيكون لزاماً عليه أن يمر بتطهير ذي قسوة، يوجهه بقصد ولؤم الى كيان إنثوي أعطاه الحياة. هذه المفارقة الحسية تجد صداها الصوتي وبتصميم متداخل في سمفونية ماهلر التي ألفها بعد موت أطفاله الستة بأمراض أستعصت وقتذاك على علاج وشفاء، حيث يتم تقطيع فصول منها وجعلها خلفية لكل فقرة تأزم بين نينا (إداء قوي من مارين أيجيرت الحائزة على جائزة أفضل تمثيل في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم "أنا رجلك"،2021) ولارس، وكأنها دعوات موسيقية الى تحقيق معافاة وعزاء وإنعتاق من عذابات صدام دائم وجارح ومهين، وهي أفعال إنسانية لم يتجاوزها ماهلر نفسه إلا عبر نوتات غاضبة، تجعل مشاهد "ولا حتى كلمة واحدة" (87 د) يعي أن هذا العنوان الحصيف، يمثل تحريضاً ضد الضنى والجفو والخصومة.

*****

هانا شلاك

Hanna Slak

مخرجة سينمائية وفنانة وسائط متعددة ومؤلفة من أصول سلوفينية، إذ إن والدها هو المخرج السينمائي والناشط السياسي المعروف فرانسي شلاك. ولدت في وارسو (1975)، وتقيم حالياً في برلين، ألمانيا. درست الأدب المقارن ومن ثم السينما في أكاديمية السينما التابعة لجامعة ليوبليانا، سلوفينيا. عملت كمساعد مخرج ومسجل صوت ومشغل كاميرا على أفلام طلاب وكذلك في أشرطة وثائقية وروائية قصيرة وإعلانات فيديو، قبل أن تخرج أول أعمالها الروائية "حياة مزدوجة" (2000)، والذي تبعته بنص "بقعة عمياء" (2002) وكلاهما عن فواجع الإدمان على المخدرات. رُشح شريطها "عامل المنجم"(2011) الى جوائز الأوسكار الأميركية، كما هو حال فيلمها الرابع "ولا حتى كلمة واحدة" الذي تم ترشيحه باسم سلوفينيا.

*****

 

"ليلة مظلمة - وداعاً هنا، في أيّ مكان" للفرنسي سيلفان جورج... ملائكة المدائن المحتلة

Obscure night -goodbye here, anywhere

(Nuit obscure – au revoir ici, n’importe où)

على منوال شريطه السجالي "لينعموا بثورة ـ أرقام الحروب" (2007 ـ 2010) حيث عايش يوميات ظلم يومي وإقصاء مجتمعي وعداء حكومي متنام، لجحافل من مهاجرين ذكور من أفريقيا، يتكدسون في ميناء كاليه، مواجهين موجات جوع وخوف وغضب، بلغت ذروتها في تدمير المخيم من قبل قوات الشرطة الفرنسية لاحقا. يراهن المخرج الفرنسي الشاب على بقعة أخرى في "ليلة مظلمة" (183 د)، يحياها يافعون وهم يخططون بلا كلل في اختراق الحدود و"حرق" البحر. إنها مليلية، الجيب الكولونيالي الإسباني على أرض المغرب. المدينة المحتلة التي تحولت الى خط فاصل ما بين آمال العبور لشبيبة مغربية، يحلمون في نيل حصتهم من رفاهية أوروبية، وبين قوانين هجرة هي سلاح عنصري غادر لوقف غرباء من "تدنيس" أرض أحلامهم. شريط وثائقي تراكمي لا يخشى زمنه الطويل (3 ساعات و3 دقائق)، ويزخر بفصول قصيرة مصورة بالأبيض والأسود، تتابع جيلانات يافعين، يرصدون المدينة الساحلية، ويناورن الشرطة من أجل عبور أسوار حديدية، تُحصِن جغرافيا الميناء وسفنه، وتمنعهم من "الحرقة" نحو الطرف الأخر من المتوسط. لن يلتفت الشريط الى حكاية معينة، إنما يرافق الزمرة ـ وكأنهم عائلة صغيرة يحملون اسماء مختزلة هي أمين س.، إبراهيم ف.، حسن م.، حمزة س.، هشام د.، مالك ب.، مهدي هـ.، أسامة إ.، ريد أ. ب.، صلاح ز ـ في ألعابهم وشقاواتهم ومناماتهم وبحثهم عن الأكل أو أماكن بياتهم الليلي. هم أولاد مليلية اليتامى حيث السلطات الإسبانية التي تنعتهم بـ"أراجا"(مَنْ يحرقون بطاقات هوياتهم الخاصة)، ترغمهم بشكل غير مباشر على التشبه بكائنات ليلية تسيطر على المدينة، وهم عالقون بين سوء معاملة ولا انتماء وقسوة وعزلة وعنف ومهانة. نسمعهم يغنون عن مكناس وفاس، فيما هم سجناء اللا مكان العامر بنصب وتماثيل وأيقونات تمجد رموز استعمارية. بقعة لا تسمح لهم بوداع نهائي سوى الموت، الغريب إنهم لا يشكون ولا يتحدثون عن ماضيهم، بل يسردون مغامرات وخططاً وأحلاماً، ويمارسون نشاطاتهم بروح تكافلية، مسبقين روح الصداقات بينهم. يقول سيلفان جورج إنه "لم يرد تصوير شهادات دامعة" عن فتيان ينكرهم القانون والأهل والحظوظ، ولا يبقى لهم سوى حسرات كثيرة ومؤلمة. مضيفاً: "لم أكن أصنع فيلماً عنهم. كانت الفكرة هي اكتشاف هذا الواقع معهم. اتُهمت بصنع فيلم عن الأطفال "المتوحشين "، لكن النظام والماضي الاستعماري لهذه المدينة هو الذي وضعهم في هذا الموقف، وليس أنا".

*****

سيلفان جورج

Sylvain George

مخرج  ومؤلف سينمائي فرنسي متعدد الكفاءات. ولد في مدينة ليون (1968). متأهل في الفلسفة والقانون والعلوم السياسية، ودرس السينما في جامعة السوربون. منذ عام 2006، أنجز أفلاماً وثائقية حول الهجرة والحركات الاجتماعية واللجوء والتمييز. تعاون مع عدد كبير من الفنانين المنخرطين في شؤون الفن والسياسة أمثال أرتشي شيب، ويليام باركر، أوكيونغ لي وغيرهم. تم تكريم أعماله على نطاق واسع ببرامج خاصة في "السينماتيك الفرنسي"(2008)، و"السينماتيك السلوفاني" (2011)، و"مهرجان بينتو دي فيستا للسينما الوثائقية" (2012)، و"ميد فيستفيل روما" (2013)، و"مهرجان فورم دوك" (2017)، إضافة الى مهرجانات في المانيا وإيطاليا والبيرو وكولومبيا وبلغاريا. يدرس حاليا في "معهد الدراسات السياسية" (أي إي بي) ـ باريس، وينظم ورش عمل في مؤسسات أوروبية مرموقة. من أعماله "المستحيل ـ قطعة غضب" (2009)، "الإنفجارات" (2011)، "باريس وليمة متحركة"(2017).

________________________________

ملاحظة واجبة:

نشرت هذه المقتطفات ضمن كاتالوغ مهرجان الجونة السينمائي في دورته السادسة الإستثنائية (14 – 21 ديسمبر 2023)، ننشرها توثيقاً.

سينماتك في ـ  21 نوفمبر 2023

 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك © 2004