زياد الخزاعي

 
سيرة كتابة
 
 
 

كتابة

The Killer

"القاتل" للأميركي ديفيد فنتشر.. دمويات الـ"ماركنتيلي" وشَنَاعَاته

بقلم: زياد الخزاعي

 
 

"التزم بخطّتك. توقَّع، لا ترتجل. قاتل فقط في المعركة التي يدفعون لك مقابلها. لا تثق بأحد"(صوت الوعي الباطنيّ لبطل شريط "القاتل")

يهدّدنا الأميركي ديفيد فنتشر، كمشاهدين، باليقظة في جديده "القاتل" (119 د)، ذلك أنَّ حكايته ليست عن كائن مكلَّف بتصفيات متقنة، إنَّما إقناعنا بسهولة سفك دم ضحاياه، وسرعة تنفيذه، وقدرته الفذَّة على إتمام تخطيط محكم. تردّ هذه الوصفات العملاتيَّة في الدقيقة التسعين على لسان "خبيرة قتل" (تيلدا سونتن)، لتصوغ عبر نبرة صوتها الحياديّ وظلال إبتسامة مَكْرها أخلاقيَّة نهليستيَّة، تبرّر الوصول الى "حياة أخرى عبر وفرة مال، وهي كذبة أخرى خدعنا أنفسنا بها". تُشير أيضا الى كلمة احتقار المُستهدَف كوَّن "القسوة براغماتيَّة"، ولأنَّ جسد الضحية وكيانه وتاريخه ومحتدَّه ليس أكثر من صفقة بين طرفين، يتحمَّل أحدهما الضَّرر، فيما ينال الأخر رضاه الداخلي وتفاخره بحذاقاته، إنَّ أتمَّ عمله على أكمل وجه.

يجري الحديث في مطعم راق بضواحي مدينة نيويورك (ضاحية كوينز تحديداً)، وهي إحدى ست بقع مختلفة "تستضيف" حفلات دمويَّة، يرتكب القاتل (أداء محكم من البريطاني مايكل فاسبندر) فيها سلسلة من عنف محض ومجرَّد، مرفوقة بحوار داخلي شديد الفرديَّة موجه الى مشاهد، تضعه كلماته وأوصافها واستعاراتها داخل جرم سماويّ، تتغيَّر إضاءات جغرافيَّته بسرعة قياسيَّة، لأنَّ انتقامه مشدود ومتعجّل وقطعي فـ"السر كله في التَّحضير والعناية بالتَّفاصيل والإحتياطات"، يُعلِمنا بصوت بارد.

فنتشر (1962) معنيّ بتنبيه ذلك المشاهد الى جزيئات الأمور من حيث إنَّ الخيوط الدراميَّة لشريطه لن تلتقي في بؤرة واحدة. يقول القاتل البلا أسم "اليقظة ضروريَّة, حتى أشدَّ العقول انضباطاً قد ينال منها الضَّجر ونفاد الصَّبر والتَّهاون"، وهي إشارة الى فرد أسير حدّ نخاعه الى حزم شديد التَّطرّف ضدّ الخطأ، ويمتثل الى روتين يومي مأسور الى إتقان العمل بأقصى درجات التَّوقّي من الزَّلَل ومصائبه. الإشارة أيضا، هي تنبيه المشاهد الى عدم الوقوع في سوء الظَّن بخواء حياة ذكر أربعينيّ مُكلَّف باصطياد طرائده، حيث إنَّ التَّكليف يعني الخضوع الى طقوس إجرائيَّة، يخلقها لنفسه حسب ظروف ومكان و"ثقل" الضحيَّة. فيلم فنتشر ليس عن القتل ذاته بل عن انتقام متواصل مضفور دراميّاً بالمخاطر أولاً، والتَمَكُّن ثانياً.

*****

 من هنا، يضع صاحب "نادي العراك" (1999) تقشَّف حياة القاتل كمقابل عقائديّ لمهارات معقَّدة وغنيَّة، تراكمت بسبب تكليفات كثيرة. يُراقِب نبض قلبه، لأنَّه المؤشر على توازنه البيولوجي. يقوم بتدريبات جسديَّة (يوغا) للحفاظ على لياقته وشدّ عضلاته وعزومها. يتحدَّث مع نفسه لضمان تماسك ذهنه، ومنع تسرّب اللَّا همَّة والوهن الى خلاياه وتلافيف دماغه. اليقظة، هي سُّنَّة أُوتوقْراطيّة يجب الخضوع لها بالكامل، وهي قانون مُحاسبي يضبط ميزان معادلات الكون عبر التَّنَبُّه لأيّ خلل أو غفلة أو عثرة "يولد كُلّ عام 140 مليون إنسان. تعداد سكان العالم نحو 7.8 مليارات نسمة. كُلّ ثانية، يموت 1.8 مليون شخص، بينما يولد 4.2 ملايين شخص في تلك الثانية نفسها"، يقول منهياً جملته بأخرى تُثْبت صحوته النَّاصعة واللَّئيمة "لا شيء فعلته في حياتي سيؤثر على هذه المعايير". إذن، القاتل "يُنْجِز" عهده، ويعاير كفَّتيه بالدَّم، لكنَّ حين يُفسِد في تصويب رصاصته الوحيدة، ويقتل عاملة جنس وقفت بين فوَّهته وناظور بندقيَّته وبين هامة الرجل المستهدف، يُخرّب الأمانة، ويحِقَّ عليه دفع دية كبوته.

نفهم أنَّ المواطن الأميركي الوسيم والنحيف صَرْف سنوات عمره في مهنة درَّت عليه وعشيقته أموالاً معتبرة، بيد أنَّها أصابت كيانه بسوداويَّة ظنّون، وهواجس تَحُوط، ووسواس مراوغات. نسمع في حواراته مع نفسه التي يمكن اعتبارها سُمُوتاً ذاتية، تفويضات تطبيقيَّة في إدارته نشاطه، والقائمة بشكل رئيسي على عنصر اليقظة، ومثله تلافي الغلط وفضح الهويَّة، ما يفسّر "تَلَبُّسه" شخصية مواطن عادي لا تثير الرّيبة، يمكنها المرور ضمن العوام بيسر، وأنْ تتماهي مع "المأهول" كتجمّع بشريّ أو طبقيّ. يقول إنَّه قرَّر التَّشبُّه بسائح ألمانيّ قابله في شارع لندني. رجل يعتمر قبَّعة صيفيَّة (من نوع يدعى "باكت هات"، تُضفي علية صفة البلاهة، كما يقول كاتب سيناريو هذا الفيلم وقبله "سبعة" أندرو كيفن وولكر)، ويرتدي قميص هاواي وبنطلوناً سياحيّاً مع حذاء رياضيّ خفيف. رجل معهود يمكن أن يقف خلفك في طابور متجر، أو يجاورك في مقصف، أو يشاركك كرسي حافلة، أو يزاحمك على شراء أغراض في موسم تخفيضات. ما لا تعرفه، أنَّ هذا الكائن المبرمج على القنص لا يملك عاطفة ما، ولا يخضع الى ناموس حكوميّ، ولن يسمح بالإختراق السَّهل لمملكته المغلقة بعنفه ولا رحمته، يقول: "لا أسمح لنفسي بالتَّشكيك فيما أفعله، كما لا أسمح بتسلّل التَّراخي، ولن أسمح لتركيزي بالانسحاب، أوتقهقر عالمي الدَّاخلي الخاص".

كائن شكاك بموازين متطرّفة يرى أنَّ "الناس عادة تخلط ما بين الارتياب والتَّشاؤم"، يؤمن أنَّ "الحظَّ ليس حقيقة ومثله العواقب الأخلاقيَّة، وللأسف كذلك هي العدالة". عليه، فإن توكَّيده الأساسيّ ينصبّ على الكمال وقوَّة الملاحظة والتركيز على الهدف الذي يجب أن يدفع ثمن ما ارتكبته يداه أو دوافعه أو تورّطاته، بغض النَّظر عن حقّه أو براءته، أو أنَّ يكون كائناً سويَّاً أو غارقاً في السُّوء. المهم أنَّ تنفيذ القرار يجب إتمامه بأعلى درجات المهارة وبأقلّ الهفوات، وتحاشي ترك أثر أو أدلَّة.

إنَّه الوجه الأكثر غموضاً الذي يتحدَّى الصّورة النَّمطية للقاتل المأجور البلا روح، من نظيره جون دو في الشريط الإيقوني "سبعة" (فنتشر، 1995)، التارك لـ"وصايا" قصاصه من ضحاياه على الجدران ولحم أبدانهم حسب الذنوب الكارديناليَّة المميتة، ومثلها الخيوط التي ترشد المحقّق العجوز وليم سمرسيت (مورغَن فريمَن) وتابعه الشاب النَّزق ديفيد مِلز (براد بِت) الى أوكاره التي تخدعهم طوال زمن المطاردات، وصولاً الى "انتقامه الذاتي" من زوجة الأخير. بينما يتعرَّض "قاتل 2023" الى قصاص معكوس، يُعلن عبر إعتداء أوليّ لعشيقته الشابة وهي في مخبأهما بجمهورية الدومينيكان، ما يمثل الإيذان ببدأ عملية تعقّب لخطواته من أجل محقه. هو ثمن مُسمَّى مقابل لزلّته غير المتوقَّعة، وفشله السَمْح في قتل غريم فاحش الثروة والسطوة، عبر نافذة غرفة فندق باريسيّ. ثمن، هو فراسة سينمائية فنتشرية لتعبير اقتصاديّ مستتر يخصّ الـ"المركنتيليَّة" التي تديرها قوى/ حكومات/ كارتلات وغيرها. الرجل الكتوم هنا، هو ألة وظيفيَّة داخل عجلتها الدولية، تقوم بأفعال قسوة موصوفة عنيدة وماحقة، تخطف أرواحاً وتحقق مغانم، وهو أيضا معني بزيادة ثرواته التي تتجسَّد في متطلبات نشاطاته وأماكن عيشه الباذخة الديكورات.

*****

 
 

ما يبدو لنا أنَّه كائن متقشّف، هو في واقعه صيغة لطاقة تنشد غلّتها بأقصى درجات الانتظام، ولئن كانت النقود هي ديدن المركنتيليَّة كمذهب اقتصاديّ، فالدَّم هو ملكيَّة قاتل فنتشر الخاصة، وعنصر جوهري في فلسفة شعارها "لا أخدم إلهاً ولا بلداً، ولا أرفع راية أحد". الى ذلك، يجب الالتفات الى نقطة "تجارته الخارجية" التي تقوده الى بقع جغرافية مختلفة، تبدأ بباريس وتنتهي بمدينة شيكاغو، وقبلهما يذكر دمشق وطوكيو وبرلين.

مقاداً بعمى انتقامه، يحقّق القاتل سيطرته الصّامتة بواسطة عُدد يشتريها عبر مؤسَّسات تجاريَّة كبرى مثل "أمازون"، يلتقطها عبر خزائنها الخارجية متجنباً الرَّصد. يشتري تذاكر طائرات تحت أسماء وهميَّة. يؤجر سيارات من وسطاء عالميّين. يفكَّك أرقاماً سرية. يستخدم جوازات سفر مزوَّرة. يملك أوكاراً لأسلحة ومعدات ومواد سمية. يتخفَّى بملابس شركات خدميَّة موثوق بها كي يخترق أماكن محصَّنة... كُلّ هذا وغيرها الكثير ينجزها الشاب بمفرده، وكأنَّه عصابة إجراميَّة متكاملة، مخاتلاً كاميرات المراقبة وعيون الأنظمة الشموليَّة وعَسَسها، مخادعاً ذكاء إصطناعيَّاً حول عالمنا الى معتقل مراقب من كُلّ زاوية وحدب، بيد أنَّ القاتل المركنتيلي يفلح في إدارة المنظومة العالميَّة وتوحّشها التقنيّ، مخترقاً أَدَمات شفراتها، مستخدماً كلمة مرور أشخاص أخرين، متفادياً ترك بصمة ترشِد مَنْ يطارده.

بفطنة دراميَّة، يحرص المخرج فنتشر على عاديَّة بطله، أيْ كونه إنساناً له نقاط ضعفه وانكساراته وعاره، لكنَّ ما يجعله مختلفاً هو تشدَّده المتطرف في ما يخص "تمارينه" الداخليَّة، واشتراطاته الثَّقيلة على عزومه، لنقابله على مدى 118 دقيقة طول الفيلم كزائر فخريّ، يُشبه طيفاً شديد الأناقة والتَصَبُّر، يشدّد على إيمانه القطعي بهذه الصفة الأخيرة عبر جملة تحذير هي أقرب الى حكمة لاهوتيَّة: "إنَّ كنت عاجزاً عن تحمُّل الملل، فأنت ليس أهلاً لهذا العمل". عليه، فاستماعه طوال جيلاناته الى أغنيات وموسيقى فرقة "سميثز" التي تعود الى بريطانيا الثمانينات، هي في الواقع "شيء لإشغال مستوى معيَّن من عقله الباطن، وليس لمتعته" كما يقول وولكر.

*****

قاتل فنتشر الذي يعترف "أنا لست استثنائيَّاً، أنا إنسان منعزل"، المقتبس عن شخصيّة رئيسيَّة لسلسلة روايات مصوَّرة كتبها الفرنسي ألكسي نولين ("ماتز") ورسمها مواطنه الفنان لوك جاكُمو، كائن له مَظَالمه التي لن نرى تفاصيلها أوضحاياها السابقين، إنَّما نجمع تصوَّراتها الدراميَّة عبر حواريَّة جُوانيَّة طويلة، توضّح للمشاهد سبل صَرْمه عن العالم من حوله، وقطيعته مع بشره (المرَّة الوحيدة التي نراه يتكلَّم وجهاً لوجه كانت مع شقيق العشيقة، ليوحي وكأن فيلم فنتشر صامت) لكنَّه لا يمنع نفسه من الاستماع الى ذبيحته، مرَّة مع الخبيرة (سونتن)، وتالياً مع رجل الأعمال والعصابات القصير القامة الذي أصدر قرار موته غير المتحقّق، معلناً في مفتتح الشريط "اعتبر نفسك محظوظاً إنّ لم تصادفني". تحذير يأتي بعد تتابع لقطات سريعة من 21 موتيفة، حقَّقها المونتير كيرك باكستر، في ثالث تعاون مع فنتشر بعد "الشبكة الإجتماعية" (2010)، و"الفتاة ذات وشم التنين" (2011)، ترافق التترات الخاصَّة بالفنّيّين، تبدأ بيدين ترتديان قفَّازاً أسود للشروع بقتل، وتنتهي بجثَّة في تابوت أبيض، وبينهما صور لكاتم صوت، حبل للخنق، حقن لزرق السُّمّ، رأس بشريّ داخل كيس، أسلاك ومفجّر عبوَّة، قنبلة يدويَّة. تشكّل جميعها، وخلال 52 ثانية، الاختزال المصوّر لعالم قاتل هامشي ونكرة، يتشبَّه بنظيره المدهش في بداية شريط "سبعة".

ما نراه لاحقا، هو تطبيق عمليّ لمقتلة متتابعة ومتنوّعة العوالم، ضَبْط مدير التصوير الموهوب الأميركي إرِك مساشميدت (1980)، في ثاني تعاون مع فنتشر بعد "مانك" (أوسكار أفضل تصوير، 2020)، أطارتها البصريَّة ضمن وحدتين، الأولى لكاميرا راكزة تنزلق بهدوء مصوَّرة تفاصيل مكاتب فارغة لشركة "وي ورك"، يتَّخذ القاتل من إحدى صالاتها التي يغلب عليها اللون الأزرق الكامد، مربضاً لمراقبة ضحيَّته. هذا المقطع الذي يستمر 16 دقيقة، بلقطاته المتوسطة، والمضاء فقط بأنوار خارجية قادمة من سماوات باريس، يصفه فنتشر بـ"وضع الكاميرا في مقبسه المداريّ"، تورية الى انتظار شرارة انصهاره حين يفشل في اصطياد الهدف، عندها تصبح الكاميرا تتابعيَّة محمولة لأنَّ "جدرانه آخذة في الانهيار".

لاحقا، وفي جميع المشاهد الداخليَّة، يُهندس الثنائي فنتشر/ مساشميدت إضاءات لوحاتهما بأنوار جانبيَّة، متحاشين مساقطها العلوية، ما يعطي المشاهد ظنَّوناً سحريَّة بأنَّ المشهد الواحد مضغوط الى أقصى حد مرئيّ، والشخصيات فيه متقاربة جسدياً، ومستفزَّة حتى تدمير أحدهما. لعل المقطع الرابع الباهر (12 دقيقة)، الذي يحمل عنوان "المتوحّش" (أو "البهيميّ")، ويُصوّر عراكاً إفتراسياً بين القاتل مع أخر مأجور (الممثل النيوزيلندي سالا باكر) داخل منزل بحريّ في فلوريدا، هو خلاصة كورَغرافية محكمة التنفيذ من 18 مشهداً، تُذكر بتلك المطاردة الشَّهيرة بين مِلز وداو في شريط "سبعة"، مع فارق جوهريّ إنَّ المعركة هنا تدور ليلاً، وضمن حيّز ضيق مضاء غالباً من أطراف متعدّدة، تقع عند مستوى النَّظر، ما عدا لقطة أخيرة داخل حمام أبيض، يتحوَّل الى قبر ناصع بنور علوي مشعّ. تنعكس هذه الهندسة مرة أخرى في مشهد داخليّ ختاميّ يمتاز بحركيَّة أقل، يقرب شريط فنتشر وعقيدته من روح المعلّم الفرنسي جان بيار ملفيل في "الساموراي" (1967)، حيث تصبح المحاورة القصيرة بين البطل والرجل الذي أصدر قرار ملاحقته ناقصة الدلالات وبلا وتيرة سينمائيَّة، لأنَّ الموت لن ينال منهما معا. يعبر قاتل فنتشر موانع بناية الثَّري المركنتيلي المدعو مستر كلايبُرن، المهموم بـ"العبء الضَّريبي" والتحايل عليه، المحاط بشاشات تلفزيونيَّة تبثّ أرقام البورصات ومؤشرات غنائمها وخساراتها، ليثبت له مدى سهولة الوصول الى عقر داره، تماما كما فعلها قاتل ملفيل عند عودته العلنيَّة الى الملهى الباريسي، تحت أنظار الشرطة، كي يقول جملة واحدة لعشيقته، قبل مصرعه بنيرانهم.

النَّزعة المرئيَّة في هذا المشهد القصير شديدة التَّطرف، حيث يقف قاتل فنتشر بملابس سوداء وغطاء رأس قاتم، مرصوداً بضوء جانبيّ قليل التَّوهُّج مع خلفية برَّاقة لأنوار المدينة الكبيرة، متحوّلاً الى "هاديس" حداثي (إله الموت في الميثولوجيا الإغريقيَّة) لا يُرى وغارق في عتمته، بينما نواجه الرجل الضئيل تحت إنارة رأسية مسلَّطة على جبهته، لأنَّ قدره واضح الخاتمة. حولهما، يُبقي فنتشر/ مساشميدت المقطَّع العلويَّ للصُّورة في ظلام مفتعل، كي ينجذب تركيز مشاهدهما على تلك الفيوض الضوئيَّة القادمة عبر النوافذ الزُّجاجيَّة الواسعة، وأيضا من المصابيح القليلة خلفهما، الشبيه بقناديل سيرك أميركي محموم بتفريخ أرباحه. تواجدت هذه الإستراتيجيَّة في غالبيَّة أشرطة فنتشر حيث يمثّل التَّوزيع المقنَّن للنّور، وليست الظلّال كما لدى الكثيرين، نباهة منظور تشكيليّ غنيّ لا يُضاهى، شعَّ في المقاطع الأولى لعمليَّات قتل يقوم بها السَّفَّاح الشهير في "زودياك" (2007)، ومثلها في المطاردات الليليَّة التي تزيد من تعقيدات وارتيابات عالم ملتبس لاستثماريّ مركنتيلي يُدعى نيكولاس فن أورتن (مايكل دوغلاس)، قبل أنَّ يقتل شقيقه بالخطأ في "اللعبة" (1997)،  أمَّا شريط "نادي العراك" فهو حالة بصريَّة خاصة ونادرة، صُممت بعناية لتكريس تضادَّات لونية وتشكيليَّة شديد التجريب لعالمين خياليَّين، يتواجدان معا لكنَّهما لا يتكاملان حسّياً أو أيديولوجيَّاً. الأول، شاب موظَّف خاضع لنُظُم كارتل تجاري فاسد، والآخر هو توهم عنفي مختلق ينشد تدمير الرأسماليَّة، عبر تأسيس مليشيات تخريبيَّة وإدارة عملياتها العنفيَّة. تتشارك المهمَّتان الدراميَّتان لبطل "نادي" مع "القاتل" في المقام الأول بالتَّعليق على مسارات قصَّتي انتقام، لكنهما يجتمعان على مناورة جوهريَّة حول إنَّ "الحاجة الى الشُّعور بالأمان هي مسار خطر، وأنَّ مفهوم القدر هو علاج وهميّ"، وهي جملة سوداويَّة نسمعها في خاتمة شريط "القاتل" من رجل يصرَّ على رؤية لا منصفة لعالمنا، رغم إجرامه وتورَّطه في سفك الدَّم، سعياً في إبقاء يقظته مستعرة حتى النهاية.

سينماتك في ـ  21 نوفمبر 2023

 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك © 2004