سينماء.. لتعزيز المحتوى المعرفي السينمائي

تطوير السيناريو أم تعديله؟

بقلم: رجا العتيبي

 
 

ما بين التطوير، والتعديل، تعيش النصوص السينمائية ــــ المحلية ــــ مأزقًا عميقًا، فبدت أوراقها غير مستقرة، حتى هذه اللحظة، فما أن يصل السيناريو إلى مرحلة التنفيذ، إلا وتحصل به تغييرات شتى، ثم ينتهي بشكل غير الذي بدأ به، ويظهر على الشاشة بخلاف المكتوب. سنتجاوز «قدر الشراكة» هذا، وما لحق بالنص من تشويهات، إلى محاولة التفريق بين التطوير والتعديل، حتى تغدو خطوات الكاتب في الاتجاه الصحيح، ويعرف إذا ما كان نصه في حالة تطوير أم في حالة تعديل.

وأهمية ذلك يحتمه مجتمع كتاب السيناريو، فالسواد الأعظم منهم يتحفّظ على تطوير نصه، ويرى ذلك منقصةً في حقِّه ككاتب، ولكنّه يتنازل عن مكانته تلك، وينساق مع كل تعديلات يتعرض لها نصه ما دام هو في مرحلة التنفيذ الفعلي، ويرى التعديلات من أطراف الإنتاج: المخرج، والممثل، والمنتج، ومشرف النصوص، أمرًا مباحًا، وضرورة إنتاجية، ويغض الطرف عنها قليلًا، حتى لو طالت التعديلات جوهر النص، لا يهم كل ذلك، ما دام سيرى نصه منفذًا على الشاشة، وحينما يظهر على الشاشة، يرى نصًّا لم يكتبه، ومع ذلك يبتسم ويرضى، أو في حالات أخرى يتوارى عن الأنظار، أو يصرّح للإعلام بأن نصه طاله بعض العبث.

فما يهم في هذا الموضوع هو أن نعطي تعريفًا لمفردة «تعديل» السيناريو، ثم نُلحقه بـ تعريف «التطوير»، لفك الاشتباك بين المفردتين لتبدو المفردتان أكثر وضوحًا في وعي الكاتب، فلا يمكن أن يتخذ قرارًا حيالهما من غير أن يراهما على حدة، هذه هنا، وتلك هناك، يلتفت يمينًا فيرى التطوير، ويلفت يسارًا فيرى التعديل، حتى لا يرفض التطوير، ويقبل التعديل، من دون أن يعرف عواقب ذلك على نصه.

ولنبدأ أولًا بتعريف التعديل؛ هل للتعديل تعريف متفق عليه؟ وهل هو مصطلح علمي؟ بالطبع لا، لا هذا ولا ذاك، هي مفردة شائعة في عالم كتابة السيناريو، وعالم الإنتاج، على الأقل في محيطنا القريب، يعنون بها التعديلات على النص حسب ما يراه الشخص الذي يقوم بعملية التعديل، يقوم بذلك لأن له رأيًا في النص، بل كل من قرأ النص، سينطبع في ذهنه رأي عنه، فما بالك بالمخرج، والمنتج، والممثل، ومشرف النص، وهم المعنيون به، وأقرب الناس إليه، كل منهم يملك رأيًا تجاه النص، ويعتقد كل منهم أن رأيه يحسّن النصَّ، ويجعله أفضل.

 فإذا طالت النص هذه الآراء المتباينة، وباتت أمرًا واقعًا فيه، تختل بنية النص ككل، على سبيل المثال، منهم يضيف شخصيات، ومنهم من يعدل في الحوار، ومنهم من يحذف مشاهد، ومنهم من يضيف، ومن يعيد كتابة النص، ومن يختصر، ومنهم، ومنهم... إلخ، إذا حصل ذلك انطلاقًا من الآراء، أو من تجارب فردية، فنحن في حالة «تعديل»، وليس «تطويرًا»، لا معايير، ولا محددات، ولا منهجيات، قد تصيب هذه التعديلات وقد تخطئ، ولكنها في النهاية لا تقوم على مرجعية محددة، ولا منهجية علمية، وصيغتها تكون على النحو الآتي: «وش رأيكم نعدل كذا، أو نحذف، أو نقول الحوار بصيغة كذا، وش رأيكم ما هو كذا أحسن». السؤال، على أي أساسٍ قِيل إن هذا أحسن؟ لا نتحدث عن النتيجة النهائية، قد تكون أحسن فعلًا، حديثنا عن المرجعية العلمية التي جرى على أساسها التعديل، وقيل إنه أحسن؟

إذن، ما دام الحديث قادنا نحو المنهجية العلمية، فنكون قد وصلنا لتعريف مفردة «التطوير» في السيناريو، إنه التطوير الذي يتم بمنهجية علمية، وبمرجعيات أكاديمية، وليس عبر آراء وانطباعات وتجارب، ويقوم التطوير على أسس كتابة السيناريو، والحديث هنا عن تطوير النصوص الدرامية، فقط، لهذا عند تطوير النص، علينا في البداية النظر للمعالجة Treatment والتأكد من وجود الــ Logline , Theme , Genre ، Three Act , Story إلى جانب نقاط أخرى لا يتسع المجال لذكرها.

 ففي التطوير على سبيل المثال: نتساءل هل يوجد ثيم في المعالجة؟ وهل الثيم منسوج في تفاصيل القصة؟ وهل القصة تتطابق مع مشاهد السيناريو؟ وهكذا، يستمر المطور المحترف في فحص المعالجة والنص معًا، وفقًا لنقاط محددة، أولًا عن مدى تضمين هذه النقاط في النص، ثم عن مدى تفردها، والإبداع في التعامل معها، ثم النظر في النقاط التي يجب على الكاتب أن يراعيها في Act One, Tow, Three ، هل أظهر عيوب البطل؟ أو معتقداته الخاطئة؟ هل حدد الـ Catalyst؟ هل غيَّر مجرى الأحداث بطريقة مثيرة، ومشوقة؟ هل الحبكة تتقدم؟ هل وصلت الذروة؟ هل تكشف للبطل معتقداته الخاطئة بعد نزوله من الذروة مباشرة؟ هل تعلَّم الدرس؟ هل ختم السيناريو بخاتمة عكس الافتتاحية؟ هل كتب وفقًا لمنهجية محددة، مثل: Circle Story لكاتب السيناريو الأمريكي Dan Harmon أو أي منهجية أخرى أثبتت نجاحها وتعتمد على الـ 3Act؟ لأن أي نص آخر يكتب معتمدًا على مدارس أخرى غير البناء الدرامي، يكون له قواعده الخاصة، وهذا ليس مجال حديثنا في هذه المقالة.

إذن، التطوير يتم عبر معايير منهجية، يقوم به خبراء في كتابة السيناريو، متبحرون في علومه، ومناهجه وقوالبه، لا يعدلون مطلقًا في النص، ولا يضيفون ولا يحذفون، إنما يقدمون ملحوظات مكتوبة، يعيد الكاتب نصه يناء عليها، وله الحق في أن يوافق أو يرفض، أو يأخذ بعضها، ويترك البعض الآخر، ومن جهة أخرى، يمكن أن يعيد كتابة السيناريو محررون متخصصون، مجرد تحرير لا أكثر ولا أقل، ويبقى الكاتب الأصلي هو صاحب الفكرة، وصاحب النص الأول، ويبقى النص باسمه. فعلى سبيل المثال: يُقدِّم المطور ملحوظة بشأن الفعل المحرِّض الذي يقلب الأحداث رأسًا على عقب، قد لا يكون موجودًا، فيلفت نظر الكاتب بأهميته، وقد يكون الفعل المحرض ضعيفًا، أو غير منطقي، أو لم يأتِ في توقيته، فيلفت نظر الكاتب بإعادة معالجته، ليكون أكثر إثارة، وتشويقًا.

سينماتك في ـ  29 نوفمبر 2023

 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك © 2004