سينماء.. لتعزيز المحتوى المعرفي السينمائي

راشومون: بوابة الألغاز التي سبقت شهرة كوروساوا

بقلم: فجر يعقوب

 
 

سبعة عقود ونيف مضت على إنجاز فيلم «راشومون» للمخرج الياباني الكبير أكيرا كوروساوا. كُتِب عنه الكثير، مقالات وكتب لا تُعد ولا تُحصى، وكانت كلها تصب في خانة واحدة: «أثر راشومون الذي يُرى ولا يزول». ليس هناك مبالغة إن قيل إن طريقة السرد التي انتهجها كوروساوا في عمله على قصة قصيرة بعنوان «راشومون في غابة»، من تأليف الكاتب الياباني ريونوسكي أكوتاغاوا شكلت صدمة حداثوية للسينما العالمية نفسها، التي لم تعرف شكلًا سرديًّا –قبلًا- يُمكنه أن يتحوَّل في فيلم واحد إلى تيار هبوبي عاصف، ليس مَنْشؤه طريقةَ التفكير الجديدة فحسب، وإنما لجهة استخدام الكاميرا نفسها، واختراع زوايا رُؤية جديدة لها، مع القدرة على التلاعُب بكل تلك الظلال التي تنسحب من الغابة إلى البوابة العملاقة «راشومون»، وهي البوابة التي ستدور من عندها القصة، وهو ما يُمهد من ثم إلى أعماق التغلغل عميقًا في كنه الشخصيات التي ستسرد هذه القصة في تتابُعٍ بصري مدهش. إنها إذن السينما التي عرّفها أكيرا كوروساوا بوصفها نشاطًا روحيًّا بالدرجة الأولى، وليست مجرد تحريك تقني للكاميرا، فإنْ تمكَّن المخرج من قصته، فإنَّ الجانب الميكانيكي سهلٌ جدًّا، وليس أمام هذه التقنيات سوى الخضوع لرغبات المخرج، وهو ينطلق من تصوراته على الورق.

ربما لم تعرف السينما مخرجًا يولي عناية كبرى للسيناريو مثل كوروساوا. كان كل شيء يبدأ من عنده، فهو دأب على كتابة صفحة يوميًّا على مدى أكثر من ستة عقود وكان يُردِّد أنه يحصل في العام الواحد على خمسة سيناريوهات تقريبًا، فإنْ تمكَّنَ من اختيار الأفضل من بينها، فهو يُحقق بذلك فيلمه الذي يريد، وهو لم يحِد عن خططه السينمائية حتى وفاته سنة 1998.

لم يكن فيلم «راشومون» بعيدًا عن خطط أكيرا كوروساوا. صحيحٌ أنه لم يخطر بباله أن الفيلم سيحصد الجائزة الأولى في مهرجان البندقية السينمائي 1951، فقد كان غارقًا في مشكلات نفسية ووجودية دفعت به للإحباط واليأس، قبل أن يصله خبر الجائزة، فيستعيد همَّته، ويعود إلى عمله سينمائيًّا متفرّدًا يعرف كيف يصنع من حادثة عابرة فيلمًا خالدًا عبر الزمن.

كل تلك الاستخدامات المعقدة للكاميرا في هذا الفيلم ساهمت بتحوله إلى تأثير لا يزول مع مرور الوقت، بل إنه دفعها لتنحاز بإمكاناتها غير المحدودة، لأن تضيف أشياء في غاية الأهمية إلى فلسفة كوروساوا في السينما، أي إنَّ «راشومون» قد قدَّم خدمة جليلة للفلسفة نفسها دون أي ادعاء، وصار بوسع هذا الركن في النشاط الروحي البشري أن يفاخر بالقيمة العليا له، وكأن إضافاته قد بدأت من هنا بالفعل.

لم يكن مقدرًا لليابان المبكرة في تلك الحقب العاصفة التي مرّت فيها عبر تاريخها، وجرى تقسيمها إلى حقب زمنية محددة مثل جومون، وكاماكورا، ونارا، وميدجي، وهييان أن تختار لقصة راشومون سوى الفصول الأخيرة من حقبة هييان، حين كانت الحرب الأهلية قد بلغت ذروتها، وانتشر قاطعو الطرق في الجبال والوديان، ولعبوا أدوارًا كبيرة في تقطيع شرايين البلاد وقد ساهموا بنشر الفوضى والرعب بين السكان، وهنا بالضبط، في تلك البقعة الزمنية اختار أكيرا كوروساوا بوابة راشومون ليعيد من خلالها ليس قراءة تلك الحقبة العاصفة، وإنما ليقرأ أحوال الحقيقة وبحث الإنسان الأزلي عنها، وكيف يُمكن تعريفها من خلال أكثر من مصدر لها حين يتعلق الأمر بحادثة واحدة.

منذ أن خُلق الإنسان، وهو يطرح بالفعل السؤال الأبدي حول رغبته بأنه يفهم ما الذي يحدث حوله. هكذا يطالعنا الحطاب (لعب دوره تاكاشي شيمورا) في لقائه الكاهنَ (لعب دوره مينورو تشياكي) عند جدران البوابة، في ذلك اليوم الماطر. هنا سنلاحظ دومًا بالعودة إلى كوَّة السرد الأولى التي يدور عندها الفيلم أن المطر لا يتوقف، وكأن كوروساوا يؤكد على أن السؤال المتعطش حول الحقيقة لن يتوقف، وسيظل يهطل مدرارًا ما دام الإنسانُ حيًّا ويتلفع بثوب، ولو كان ممزقًا، وليس لديه ما يستر به جسده سواه.

إنها الحقيقة عارية وممزقة. أبطالها حين يتلاقون في منتصف الطريق أنصافَ عُراةٍ وممزقين من الداخل أيضًا، وتشوبهم شوائب كثيرة وهم يأتون بالكذب على رواية الحادثة التي شهدوا عليها أو استمعوا إليها مع عابر السبيل الذي جاء تحت البوابة ليحتمي من المطر، أو ليحتمي من الحقيقة نفسها التي يريد الجميع تعريفها، وليس الاعتراف بها.

يُمكن القول إن رواية القصة هي بداية التلاقي مع الجحيم الذي ينتظر الإنسان عند مفارق الطرق التي تتشكل منها الغابة، وليس غريبًا أن أكيرا كوروساوا قد اختارها مسرحًا لأحداث فيلمه ليقول لنا إن الدخول فيها، هو دخول في متاهة النفس الإنسانية الملغزة، للعثور على شجرة الحقيقة، وهي هنا ليست شجرة واحدة. الغابة في الواقع تتألف من أشجار لا حصر لها، وليس أمامنا -نحن البَشر- سوى القبول بذلك كمنطلق للتعرف إليها، والتصالح مع شروط وجودها دون إبداء أي احتجاج.

إن الأشخاص الثلاثة الذين يلتقون عند بوابة الغابة الضخمة لديهم أسبابهم للقاء. كل واحد فيهم لديه سبب، وليس أمامنا كمشاهدين غير حياديين البتة سوى أن نشارك أيضًا في الحكاية، ولدى كل واحد سبب خاص به. المحاكمة التي تُعقد في الهواء الطلق تقول لنا ذلك، فنحن لا نشاهد قضاة فيها أبدًا، وليس هناك فضاء كلاسيكي لها كما يعبر في أذهاننا عن المحاكم القضائية وبيوت العدالة التقليدية، وإنما كاميرا، وعلى الشهود والجاني البحلقة فيها، وقول ما لديهم من براهين وأدلة ونوتات دفاع قابلة للنقض. هذا يعني أننا قضاة أيضًا، ولسنا مُجرَّدَ شُهودٍ ومشاهدين عابرين للقصة، وعلينا أن نقول شيئًا عن الحقيقة التي دأب عليها الإنسان في كل مراحل نموه وتطوره.

يقول الحطاب روايته، ويتبعه الكاهن كذلك حتى يجيء دور الشرطي (لعب دوره دايسوكي كاتو) الذي ألقى القبض على أيقونة الفيلم، قاطع الطريق تاجو مارو (لعب دوره توشيرو ميفوني). هل قلنا الأيقونة؟!

نعم، هو أيقونة أفلام أكيرا كوروساوا التي عمل فيها معه، وهو من اكتشفه، وقد ارتبط اسمه به حتى وفاتهما بفارق عام واحد فقط. تاجو مارو الذي قتل رجل الساموراي تاكهيرو كانازاوا (لعب دوره ماسايوكي موري) في الغابة الملغزة واستولى على زوجته ماساكو كانازاوا (لعبت دورها ماكيكو كيو)، أي إنه قتله في تفكيره أولًا، إذ سنكتشف أن للقصة أبوابًا كثيرة، حتى الموتى يكذبون فيها، بعكس ما يؤمن به الكاهن، وليس على المشاهد إلا أن يدخل إلى هذه الأكاذيب من البوابة التي تعجبه. ليس هناك مخارج فعلية، فحتى الحطاب الذي أخفى حقائق دامغة عن الجريمة خشية تورطه، سرق الخنجر المرصع بالأحجار الكريمة. أي إنه سرق أداة الجريمة كما ينبهه عابر السبيل الذي يستولي على ملابس رضيع ألقت به أمه في ذلك اليوم الماطر، تحت رحمة جدران البوابة واختفت. يقول له عابر السبيل مؤنبًا إياه إن لم يستولِ هو على ثوبه، سيأتي غيره ويستولي عليه، ويذكره بالخنجر المسروق.

لكن الكاهن عندما يعطي الطفل للحطاب الأب لستة أطفال، إنما كان ينبّه إلى وجود فتحة مسالمة في الجحيم يمكن للبشر العبور منها أحيانًا نحو فعل الخير. لقد عبَرَ أكيرا كوروساوا من بوابة راشومون إلى العالَمِ الفسيح، وحدث بالفعل أن سبقته، وفاضت على شهرته كواحد من كبار صنَّاع السينما عبر تاريخها.

سينماتك في ـ  15 نوفمبر 2023

 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك © 2004